كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

يختلف الغناء في ذلك عن غيره أصلاً.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغناء، ووصفه بالحمق والفجور، وقرنه بالنياحة، وأخبر أنه صوت ملعون في الدنيا والآخرة، وأخبر أنه يكون في أمته أقوام يستحلون المعازف، ولم يستثن قصداً دون قصد، وهذا يرد قول أبي تراب: أنه إذا قصد بالغناء والاستماع إليه مجرد الترويح عن النفس والتسلية وتنشيط الأعصاب فليس بحرام.
الوجه الثاني: أن الغناء صنو الخمر في الصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وإلهاؤه عن ذكر الله تعالى صفة لازمة له. فكل من أصغى إليه فإنه يلهيه عن ذكر الله تعالى ولا بد. ولا فرق بين من قصد الالتهاء به ومن لم يقصد ذلك. وهذا أمر معلوم لا يرتاب فيه إلا جاهل. ومن قال: إن الغناء لا يلهي إلا من قصد الالتهاء به دون من أصغى إليه ولم يقصد الالتهاء به - فهو من أجهل الناس.
الوجه الثالث: أن الغناء ليس فيه ترويح عن النفس وتسلية وتنشيط للأعصاب - كما زعم ذلك أبو تراب - وإنما فيه نشوة كنشوة الخمر ثم يعقبها الوهن والكسل وضيق الصدر، كما تفعل الخمر بشاربها، فإذا عاد إلى سماع الغناء عادت إليه النشوة التي يظنها المغرور ترويحاً عن النفس وتسلية وتنشيطاً للأعصاب. وقد قال بعض شاربي الخمر:
وكأسا شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
وقال آخر: ............. وداوني بالتي كانت هي الداء
فالخمر داء لشاربها، ومع ذلك فإنه يتداوى مما يصيبه بسببها من

الصفحة 222