كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

وأقروه، وأنى له ذلك. وقد قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. رواه مسلم في مقدمة صحيحه. وقال عبد الله أيضاً: بيننا وبين القوم القوائم، يعني: الإسناد. رواه مسلم في مقدمة صحيحه. وغاية ما مع أبي تراب ما ذكره ابن حزم بالإسناد المقطوع عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن جعفر، كما سيأتي، وحاشاهما من ذلك. أو ما يذكره غيره من حطاب الليل الذين ينقلون ويحكون عن كل من هب ودب.
الوجه الثالث: أنه قد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه لما سمع زمارة الراعي سد أذنيه، ونأى عن الطريق. وهذا أوضح دليل على إنكاره للمزمار، ومبالغته في التحفظ من سماعه. وقد تقدم ما رواه البخاري في [الأدب المفرد] وابن أبي الدنيا من طريق عبد الله بن دينار قال: خرجت مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إلى السوق فمر على جارية صغيرة تغني، فقال: إن الشيطان لو ترك أحداً لترك هذه. وهذا يدل على إنكاره للغناء. وتقدم أيضاً ما رواه ابن أبي الدنيا من طريق يحيى ابن سعيد عن عبيد الله بن عمر قال: حدثني نافع: أن ابن عمر رضي الله عنهما مر على قوم محرمين وفيهم رجل يتغنى، فقال: ألا لا سمع الله لكم، ألا لا سمع الله لكم. وهذا من أوضح الأدلة على إنكاره للغناء.
وفي هذه الأحاديث رد لما تقوله أبو تراب على عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وأما عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما فقد ذكر عنه أنه كان يستمع إلى الغناء وضرب العود من جواريه، وذكر عن غير واحد من الصحابة والتابعين أنهم كانوا ينكرون ذلك عليه، ولكن لم يرو ذلك عن

الصفحة 237