نهى الزامر، بل اقتصر على سد أذنيه - فقد تقدم الجواب عنه مستوفى مع حديث ابن عمر رضي الله عنهما في أول الكتاب، فليراجع.
الوجه الثاني: أن من الخطأ الواضح زعم أبي تراب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر المزمار. وكيف يكون مقراً له وهو قد سد أذنيه عن سماعه ونأى عن الطريق التي سمعه فيها.
الوجه الثالث: أن من الخطأ أيضاً زعم أبي تراب إباحة المزمار وقياسه على سائر فضول الدنيا المباحة. وكيف يكون مباحاً وهو من أعظم المعازف التي قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون في أمته أقوام يستحلونها. والاستحلال إنما يكون للشيء المحرم لا للمباح. وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في المزمار: إنه صوت ملعون في الدنيا والآخرة. ووصفه بالحمق والفجور، وقرنه بالنياحة. وقرن استحلاله باستحلال الخمر والزنا ولبس الحرير في حق الذكور. فهل يقول ذو علم بعد هذا أنه مباح، وأنه كسائر الفضول المباحة. كلا إن العالم لا يقول مثل هذا، وإنما يقوله من كثف جهله وغلب عليه هواه.
الوجه الرابع: أن الفرق بين المزمار وبين الفضول المباحة ظاهر جلي، فإن المزمار من لهو الحديث الذي ورد في القرآن الذم والوعيد الشديد لمشتريه. والفضول المباحة ليست كذلك. وأيضاً فالمزمار من صوت الشيطان الذي قال الله تعالى فيه: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} (¬1). والفضول المباحة ليست كذلك. وقد تقدم ذكر العلل
¬__________
(¬1) سورة الإسراء، الآية 64.