كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

الكثيرة في تحريم الغناء والمعازف، وفي كل علة من تلك العلل فرق ظاهر بين المزمار وبين الفضول المباحة. وكل علة تكفي وحدها لرد ما زعمه أبو تراب من عدم الفرق بين المزمار وبين سائر فضول الدنيا المباحة، فكيف إذا اجتمعت العلل كلها على رد قوله؟!.

فصل

• قال أبو تراب: ولم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجاريتين كانتا تغنيان بغناء بعاث، وأنكر على أبي بكر انتهاره إياهما، وهذه حجة لا يسع أحداً خلافها، ولا يزال التسليم لها.
والجواب: أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أقر الجاريتين؛ لأمور:
منها: أنها أيام عيد، وقد علل النبي صلى الله عليه وسلم تركهما بذلك، فدل على أن غير أيام العيد ليست كذلك. وهذا يرد قول من استدل به على جواز الغناء على الإطلاق؛ كالصوفية، وابن حزم ومن نحا نحوهم. وهذا على تقدير أن الجاريتين كانتا تغنيان بالغناء المعروف عند أهل اللهو واللعب من المخنثين وأشباههم. فأما على القول الصحيح أن غناءهما كان مجرد إنشاد للأشعار كما سيأتي بيانه، فليس في الحديث إذاً دليل على جواز الغناء لا في يوم عيد ولا في غيره، وليس فيه متعلق لمبطل بوجه من الوجوه.
ومنها: أن الجاريتين كانتا تغنيان بأشعار الشجاعة والحروب، لا بأشعار الخلاعة والمجون التي هي غالب بضاعة أهل الغناء المحرم.

الصفحة 241