كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

ومنها: أن غناءهما لم يبلغ إلى درجة التحريم، فإنهما لم تكونا مغنيتين، كما صرحت بذلك عائشة رضي الله عنها في قولها: وليستا بمغنيتين. قال الحافظ ابن حجر في [فتح الباري]: فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ؛ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت.
قلت: وهذا أحد الوجوه التي فسر بها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به» متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال الخطابي: «يجهر به»: زعم بعضهم أنه تفسير لقوله: يتغنى به، قال: وكل من رفع صوته بشيء معلناً به فقد تغنى به. وقال أبو عاصم: أخذ بيدي ابن جريج فوقفني على أشعب، فقال: غنّ ابن أخي، ما بلغ من طمعك؟ فقال: بلغ من طمعي أنه ما زفت بالمدينة جارية إلا رششت بابي طمعاً أن تهدى إلي. يريد: أخبره معلناً به غير مسر. انتهى.
وذكر ابن منظور في [لسان العرب] عن الأصمعي أنه قال: كل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء. وكذا قال ابن الأثير في [النهاية]. ثم ذكر ابن حجر: أن الغناء يطلق على الترنم الذي تسميه العرب النصب بفتح النون وسكون المهملة، وعلى الحداء، قال: ولا يسمى فاعله مغنياً، وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح.
قلت: ويطلق الغناء أيضاً على مجرد الإنشاد؛ لما روى الزبير بن بكار من طريق زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر رضي الله عنه قال للحطيئة: كأني بك عند شاب من قريش قد كسر لك نمرقة، وبسط لك

الصفحة 242

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text