أخرى، وقال: يا حطيئة، غننا، فاندفعت تغنيه بأعراض الناس. قال أسلم: فرأيت الحطيئة بعد ذلك عند عبيد الله بن عمر وقد كسر له نمرقة، وبسط له أخرى، وقال: يا حطيئة، غننا، فاندفع حطيئة يغني، فقلت له: يا حطيئة، أتذكر يوم عمر حين قال لك ما قال؟ ففزع وقال: رحم الله ذلك المرء، لو كان حياً ما فعلنا هذا، فقلت لعبيد الله: إني سمعت أباك يقول كذا وكذا، فكنت أنت ذلك الرجل.
وإذا علم هذا، فغناء الجاريتين لا يخرج عن أحد الأقسام الجائزة، كما يدل لذلك قول عائشة رضي الله عنها: وليستا بمغنيتين. والظاهر أن غناءهما كان مجرد إنشاد لا تلحين فيه ولا تطريب، وقد جزم بهذا غير واحد من العلماء، ومنه الحافظان: أبو الفرج ابن الجوزي، وأبو موسى المديني. وقال ابن الأثير في [النهاية]، وابن منظور في [لسان العرب]: وفي حديث عائشة رضي الله عنها: وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث: أي تنشدان الأشعار التي قيلت يوم بعاث: وهو حرب كانت بين الأنصار، ولم ترد الغناء المعروف بين أهل اللهو واللعب، وقد رخص عمر رضي الله عنه في غناء الأعراب، وهو صوت الحداء. انتهى. ومع أن غناء الجاريتين كان مجرد إنشاد فقد اضطجع النبي صلى الله عليه وسلم على الفراش. وتسجى بثوبه وحول وجهه، وهذا أوضح دليل على كراهته لذلك، فإنه يكره الشعر. قالت عائشة رضي الله عنها كان: (أبغض الحديث إليه) رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وابن جرير وابن أبي حاتم، وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشعر من مزامير إبليس» رواه البيهقي وغيره من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه. وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم