كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: إن تحريم الغناء والمعازف مما فصل لنا في الكتاب والسنة، وذلك معلوم عند علماء أهل السنة قاطبة، ولا ينكره إلا جاهل أو معاند، وقد تقدم ذكر الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على تحريم الغناء والمعازف في أول الكتاب، فلتراجع.
الوجه الثاني: أن استدلال أبي تراب على حل الغناء والمعازف بقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} (¬1)، من أعجب الاستدلالات وأغربها. ولو أن رجلاً زعم حل الخمر والميتة والدم والخنزير والأصنام وغيرها من المحرمات، واستدل على ذلك بهذه الآية الكريمة لما كان بين استدلاله بها وبين استدلال أبي تراب بها على حل الغناء والمعازف فرق. وليس لأبي تراب في هذه الآية الكريمة ما يتعلق به؛ لأن عمومها مخصوص بما ثبت تحريمه في الكتاب والسنة، ومن ذلك الغناء والمعازف، فتكون مخصوصة من عموم الآية الكريمة.
الوجه الثالث: أن هذه الآية الكريمة إنما يستدل بها على إباحة ما هو مسكوت عنه، فأما ما جاء في حله أو تحريمه تفصيل فالعمدة في ذلك على التفصيل، ولا يجوز تركه والعدول عنه إلى العام المجمل. ومن عجيب أمر أبي تراب وحرصه على التلبيس على الأغبياء أنه ذهب يحتج على مراده بعموم آية مجملة وتعامى عن الخاص المفصل، كقول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} (¬2). . إلى آخر الآيتين،
¬__________
(¬1) سورة البقرة، الآية 29.
(¬2) سورة لقمان، الآية 6.

الصفحة 249