كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

في إباحة ذلك نبهوا على صحتها، وفيما يلي نورد هذه الأحاديث، ثم نورد الأثار مع نقائضها، ونأتي بالقول في هذا جملة عن الحجة الثبت أبي محمد الحافظ العدل الثقة، وافقه على ذلك الحافظ النمري وهما من هما.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن في أول كلام أبي تراب ههنا من سوء الأدب وقلب الحقيقة ما لا يخفى على طالب علم. أما سوء الأدب ففي رميه علماء أهل السنة بالشغب؛ لكونهم رووا أحاديث المنع من الغناء والمعازف، ودونوها في كتبهم، وأنكروا على من خالفها وصاحوا بهم من كل جانب. وأما قلب الحقيقة ففي رميه البرءآء بوصف الشغب وصرفه ذلك عن أسلافه الذين شذوا عن علماء أهل السنة باستحلالهم ما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من الغناء والمعازف. وفي الحقيقة أن أبا تراب وأسلافه أولى بوصف الشغب؛ لشذوذهم عن أهل الحق، ولكونهم ردوا الأحاديث الصحيحة في تحريم الغناء والمعازف، وحكموا عليها بالوضع بغير برهان، ولأنهم قدحوا في الثقات الذين رووا تلك الأحاديث بمجرد الهوى، وخالفوا أقوال الأئمة فيهم.
الوجه الثاني: أن الأحاديث التي وردت في المنع من الغناء والمعازف ليست كلها واهية كما زعم ذلك أبو تراب تقليداً لابن حزم، بل فيها الصحيح والحسن والضعيف. وعمدة أهل الحق على الصحاح منها والحسان. وأما الضعيف فيذكرونه للاستشهاد لا للاعتماد، وأكثر الضعاف التي يذكرونها قد اتفقت معانيها مع تعدد طرقها وتباين

الصفحة 251