كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

ذلك مهجورة عند أكثر العلماء؛ لكثرة ما فيها من الأخطاء والتناقض والوقيعة في أهل العلم. ومن طالع كتبه يقيناً صحة ما قاله العلماء فيه.
وأوضح دليل على ذلك ما في كتابه [طوق الحمامة]، فقد أشاع فيه من الحكايات عن نفسه وعن غيره ما كان ينبغي ستره، وأطلق فيه من العبارات ما يقدح في عدالته. فمن ذلك قوله:
خلوت بها والراح ثالثة لها ... وجنح ظلام الليل قد مدّ ما انبلج
فتاة عدمت العيش إلا بقربها ... فهل في ابتغاء العيش ويحدك من حرج
كأني وهي والكأس والخمر والدجى ... ثرى وحياً والدر والتبر والسبج
وهذا الشعر كاف في القدح في عدالة ابن حزم، وإذا حملنا المخلو بها على أحسن المحامل بأن تكون زوجة له أو سرية فالراح لا يدخلها الاحتمال، وهو فيها بين أمرين لا ثالث لهما: إما أنه شربها، أو أنه كذب فيما قال، وهذا الأخير هو المظنون به؛ لقول الله تعالى: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} (¬1)، وكل من الأمرين قادح في العدالة لا محالة. فإن قيل: إنه كان يقول الشعر في بعض الأحيان على لسان غيره، فلعل هذا منه. قيل: تقريض مثل هذا الشعر قادح في العدالة، سواء قاله مخبراً عن نفسه، أو قاله على لسان غيره؛ لأن من قال مثل هذا على لسان غيره فقد أنكر المنكر ورضي به وأعان عليه، والراضي بالذنب كفاعله، فكيف بالمعين عليه؟!.
¬__________
(¬1) سورة الشعراء، الآية 226.

الصفحة 256