كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

والأدلة على وجوب غض البصر عن المرأة الأجنبية وتحريم النظر إليها كثيرة معروفة في الكتاب والسنة، وليس هذا موضع ذكرها. والعجب كل العجب من ابن حزم حيث ساق القصة التي ذكرنا ملخصها ثم بعدها بست ورقات سجل على نفسه ما يقتضي القدح في عدالته من حيث لا يشعر، فقال ما نصه: والصالح من الرجال من لا يداخل أهل الفسوق، ولا يتعرض إلى المناظر الجالبة للأهواء، ولا يرفع طرفه إلى الصور البديعة التركيب، والفاسق من يعاشر أهل النقص وينشر بصره إلى الوجوه البديعة الصنعة. . . إلى أن قال: ولهذا حرم على المسلم الالتذاذ بسماع نغمة امرأة أجنبية، وقد جعلت النظرة الأولى لك والأخرى عليك. انتهى. وقد كفانا نفسه بنفسه.
وفي القصة أيضاً حضوره عند النياحة وإقراره لها، وهذا مما يقدح في العدالة. وقد روى أبو داود في سننه، والبخاري في [التاريخ الكبير] عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة). وقال ابن حزم أيضاً: ولقد ضمني المبيت ليلة في بعض الأزمان عند امرأة من بعض معارفي مشهورة بالصلاح والخير والحزم، ومعها جارية من بعض قراباتها من اللاتي قد ضمتها معي النشأة في الصبا، ثم غبت عنها أعواماً كثيرة وكنت تركتها حين أعصرت، ووجدتها قد جرى على وجهها ماء الشباب، ففاض وانساب. وتفجرت عليه ينابيع الملاحة، فترددت وتحيرت. وطلعت في سماء وجهها نجوم الحسن، فأشرقت وتوقدت، وانبعث في خديها أزاهير الجمال فتمت وأعتمت. . . إلى أن قال: فبت عندها ثلاث ليال

الصفحة 259