كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

قلت: إذا كان ابن حزم يجهل أبا عيسى الترمذي الإمام المشهور الذي قد طبق ذكره الخافقين، ولا يخفى مثله على صغار الطلبة وكثير من العوام، فجهالته لغيره من المحدثين الذين لم يبلغوا في العلم مبلغه أحرى؛ ولهذا كان لا يتوقف عن رمي كثير منهم بالجهالة، ولا سيما إذا رووا ما يخالف رأيه. ومن كان هكذا فلا ينبغي أن يعتد بأقواله في الجرح والتعديل. وأيضاً فإن استحلاله للغناء والمعازف يقتضي رد أقواله. وقد تقدم عن الإمام شعبة بن الحجاج أنه ترك الرواية عن المنهال بن عمرو لما سمع في بيته صوت غناء، مع أنه يحتمل أن المنهال لم يعلم بذلك ولا رضي به. وقد روى ذلك يحيى بن سعيد ووهب بن جرير عن شعبة، ولم يخالفاه، إلا أن وهب بن جرير قال له: هلا سألته عسى كان لا يعلم؟ وإذا كان إمام أهل الجرح والتعديل شعبة ابن الحجاج قد ترك الرواية عن المنهال بن عمرو من أجل صوت غناء سمعه من داره، ورأى ذلك قدحاً فيه، فكيف بمن كان مستحلاً للغناء والمعازف، وداعية إلى استحلالها كابن حزم؟! فهذا أولى أن لا يؤخذ عنه، وأن لا يلتفت إلى أقواله في الجرح والتعديل.
وحاصل القول في أبي محمد ابن حزم: أنه كغيره من العلماء الذين جمعوا في كتبهم أشياء حسنة وأشياء سيئة، فيؤخذ من أقوالهم ما وافق الحق ويرد ما خالفه، ولا يثني عليهم إلا بما يستحقونه من غير إطراء ولا مجازفة. والله المسئول أن يتقبل منا ومنهم الحسنات، ويتجاوز عن السيئات، إنه جواد كريم.
الوجه الثامن: أنه لم يثبت عن أبي عمر ابن عبد البر النمري أنه وافق

الصفحة 263