كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

ابن حزم على استحلال الغناء والمعازف، ولو كان يرى ذلك لتناقله العلماء عنه كما تناقلوه عن ابن حزم.
الوجه التاسع: أن أبا عمر ابن عبد البر قد صرح في بعض كتبه بما يخالف مذهب ابن حزم، فقال في [الكافي]: ومن المكاسب المجتمع على تحريمها: الربا، ومهور البغايا، والسحت، والرشا، وأخذ الأجرة على النياحة، والغناء، وعلى الكهانة، وادعاء الغيب، وأخبار السماء، وعلى الزمر، واللعب، والباطل كله. انتهى. وقد نقله عن القرطبي وغيره من العلماء، وفيه رد لما زعمه أبو تراب من موافقة ابن عبد البر لابن حزم على ما شذ به من استحلال الغناء والمعازف. ومما يرد به أيضاً على أبي تراب قول ابن عبد البر في كتابه [جامع بيان العلم وفضله]: فأما علم الموسيقى واللهو فمطرح ومنبوذ عند جميع أهل الأديان على شرائط العلم والإيمان. انتهى.
الوجه العاشر: أن تنويه أبي تراب بالنمري وابن حزم في قوله: وهما من هما - ظاهر في الحث على قبول ما قاله ابن حزم في الغناء والمعازف، وهذا التنويه لا يفيده شيئاً، فإن العلماء لا تعظم أقدارهم ويعتد بأقوالهم بمجرد التفخيم لهم والتنويه بذكرهم، وإنما يعتبرون باتباع الحق واجتناب الباطل، فمن قال منهم بما يوافق الكتاب والسنة فقوله مقبول، ولو كان خامل الذكر عند الناس. ومن قال بما يخالف الكتاب والسنة فقوله مردود، ولو كان مشهوراً عند الناس، ولا يخفى على من شم رائحة من العلم أن قول ابن حزم في الغناء والمعازف مخالف للكتاب والسنة، فهو إذاً مردود، ولو فخمه أبو تراب ونوه بذكره.

الصفحة 264