كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

لا يجوز القول به. وهذا من تلاعب الشيطان بأبي تراب وغلبته عليه.
ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
يقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
وأبلغ من ذلك وأحسن قول الله تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (¬1)، ولا يشك ذو عدل وإنصاف شم أدنى رائحة من العلم أن الأخذ بأقوال التابعين في التفسير أولى من الأخذ بأقوال من بعدهم من العلماء، فضلاً عن ابن حزم وأشباهه؛ وذلك لأن أقوال التابعين أو غالبها متلقى عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. والصحابة رضي الله عنهم تلقوا ذلك أو غالبه عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال محمد ابن إسحاق: حدثنا أبان بن صالح عن مجاهد، قال: عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها. وروى ابن جرير بإسناد صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. وهذا يدل على أنهم كانوا يتلقون التفسير من النبي صلى الله عليه وسلم، وما لم يتلقوه عنه صلى الله عليه وسلم فهو مما فهموه من لغتهم، فإنهم كانوا أفصح العرب، وقد شاهدوا التنزيل وأعطاهم الله من العلم والفهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ما لم يكن لمن بعدهم، وعلى هذا فلا ريب أنهم أعلم بالتفسير ممن بعدهم، وأقوالهم
¬__________
(¬1) سورة فاطر، الآية 8.

الصفحة 268