كتاب فصل الخطاب في الرد على أبي تراب

سماعها، ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف من يبيح ذلك. وحكى غيره هؤلاء الإجماع على تحريم الغناء والمنع من استماعه واستماع آلات اللهو كلها، وقد تقدم ذكر ذلك في أول الكتاب. وآلات المعاصي لا يجوز بيعها ولا ابتياعها؛ لحديث: «إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه». وقد تقرر عند علماء أهل السنة شذوذ ابن حزم فيما رآه من استحلال الغناء والمعازف وبيع آلات اللهو. ومن شذ عن أهل السنة فلا عبرة بقوله.
الوجه الثاني: أن القول بتضمين كاسر آلات اللهو قول باطل. والصحيح: أنه لا ضمان في ذلك؛ لأن آلات اللهو في المنكر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة مبسوطاً في أثناء الكتاب، فليراجع.
الوجه الثالث: أن تعليل ابن حزم بأنها مال من مال مالكها، مردود بأنها ملعونة في الدنيا والآخرة، كما تقدم في حديث أنس رضي الله عنه. والملعون لا يجوز اقتناؤه، ولا يثبت الملك فيه لأحد. ونظير ذلك الخمر، فإنها لما كانت ملعونة لم يجز اقتناؤها، ولم يثبت الملك فيها لأحد، بل يجب إتلافها أينما وجدت، وقد أراقها النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر أصحابه بإراقتها، وكذلك آلات اللهو، فيجب إتلافها أينما وجدت، ولا يجوز تركها مع القدرة على إتلافها.

الصفحة 274