كتاب مرويات الإمام الزهري في المغازي (اسم الجزء: 2)

حيث جاء عوده على بدئه، حتى نزل بالناس على ثمد1 من ثماد الحديبية ظَنُون2، قليل الماء يتبرض الناس ماءها تبرضاً، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلة الماء، فانتزع سهماً من كنانته، فأمر رجلاً فغرزه في جوف القليب، فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بِعَطَن، فبينما هو على ذلك إذ مر به بُديل بن ورقاء الخزاعي في ركب من قومه من خزاعة فقال: يا محمد؛ هؤلاء قومك قد خرجوا بالعوذ المطافيل، يقسمون بالله ليحولُنَّ بينك وبين مكة، حتى لا يبقى منهم أحد، قال: "يا بديل إني لم آت لقتال أحد إنما جئت أقضي نسكي3 وأطوف بهذا البيت، وإلا فهل لقريش في غير ذلك، هل لهم إلى أن أمادهم مدة يأمنون فيها ويستجمون، ويخلون فيها بيني وبين الناس فإن ظهر فيها أمري على الناس كانوا فيها بالخيار أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، وبين أن يقاتلوا وقد جمعوا وأعدوا".
قال بديل: سأعرض هذا على قومك.
فركب بديل حتى مر بقريش فقالوا: من أين؟ قال: جئتكم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن شئتم أخبرتكم بما سمعت منه فعلت.
__________
1 ثمد: الثمد بالتحريك: الماء القليل. النهاية 1/ 221.
2 الماء الظّنون: الذي تتوهمه ولست على ثقة، فعول بمعنى مفعول، وقيل: هي البئر التي يظن أن فيها ماء وليس فيها ماء. وقيل: البئر القليلة الماء. النهاية 3/ 163.
3 المناسك: جمع منسك، - بفتح السين وكسرها -: وهو المتعبد، والنُّسْك والنُّسُك أيضاً: الطاعة والعبادة، وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى. النهاية 5/ 48.

الصفحة 595