كتاب دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية رضي الله عنه (اسم الجزء: 2)

أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنّه أوّل من فصل القضاء عن الولاية، فعيّن قضاة مستقلّين في الأقاليم الإسلاميّة بجانب الولاة وفرض لهم رزقاً. ومن أسباب ذلك اتساع الدّولة الإسلاميّة في خلافته اتساعاً كبيراً وكثرة رعاياها، فكان لا بد من وجود قاضٍ يفصل في قضايا النّاس وخصوماتهم، لأن الأمير عنده من الأعمال والمهام الشيء الكثير الذي لا يستطيع معه الجمع بين مهمتي الولاية والقضاء، إضافة إلى أنّ الولاة في الغالب كانوا منشغلين بأمور الفتح وإعداد الجيوش والقيام بالدّعوة إلى الله عز وجل، والمحافظة على الأمن في مناطقهم وولايتهم. وكان فصل عمر للقضاء عن الولاية مركز بشكل كبير في مناطق الثغور حيث كثافة الجند، وانشغال الولاة بأمور الإعداد للجند والجهاد في سبيل الله.
وفي المدينة كان عمر رضي الله عنه يقوم بمهمة القضاء بين الرعية والنظر في منازعاتهم وخصوماتهم بنفسه حتى إذا كان آخر خلافته وكثرت رعيته رضي الله عنه وكبرت سنه، قال ليزيد بن أخت النمر1 رضي الله عنه: اكفني بعض الأمور - يعني صغارها2.
____________________
1 يزيد بن ثمامة بن الأسود والد السائب بن يزيد، صحابي، شهد الفتح، واستقضاه عمر رضي الله عنه. تق 601.
2 رواه عبد الرزاق / المصنف 8/302. ابن سعد / الطبقات / الرابعة 2/711، ابن شبة / تاريخ المدينة 2/259، وكيع / أخبار القضاة 1/105،106، أبو يعلى / المسند 9/344، 345، الطبراني / المعجم الكبير 7/150، صحيح من طريق أبي يعلى. قال: "حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثني أبي عن ابن شهاب عن سالم عن عبد الله بن عمر".
ولفظه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه: "قال: وما اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضياً ولا أبو بكر ولا عمر حتى كان في آخر زمانه قال ليزيد ابن أخت النمر رضي الله عنه: اكفني بعض الأمور يعني: صغارها.
وانظر: ناصر بن عقيل الطريفي / القضاء في عهد عمر بن الخطاب ص 90، 91، 165، 166.

الصفحة 764