كتاب تأويل مختلف الحديث

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ قَتَلَتِ الْيَهُودُ قَبْلَهُ، زَكَرِيَّا بْنَ آذَنَ فِي جَوْفِ شَجَرَةٍ، قَطَّعَتْهُ قِطَعًا بِالْمَنَاشِيرِ.
وَذَكَرَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَوْ غَيْرُهُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا وَصَلَ الْمِنْشَارُ إِلَى أَضْلَاعِهِ أَنَّ؛ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: إِمَّا أَنْ تَكُفَّ عَنْ أَنِينِكَ، وَإِمَّا أَنْ أُهْلِكَ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.
وَقَتَلَتْ بَعْدَهُ ابْنَهُ يَحْيَى بِقَوْلِ بَغِيٍّ، وَاحْتِيَالِهَا فِي ذَلِكَ، وَادَّعَتْ "يَعْنِي الْيَهُودَ" أَنَّهَا قَتَلَتِ الْمَسِيحَ وَصَلَبَتْهُ.
وَلَوْ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} 1 لَمْ نَعْلَمْ نَحْنُ، أَنَّ ذَلِكَ شَبَهُهُ لِأَنَّ الْيَهُودَ أَعْدَاؤُهُ، وَهُمْ يَدَّعُونَ ذَلِكَ، وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاؤُهُ وَهُمْ يُقِرُّونَ لَهُمْ بِهِ.
وَقَتَلَتِ الْأَنْبِيَاءَ، وَطَبَخَتْهُمْ2، وَعَذَّبَتْهُمْ أَنْوَاعَ الْعَذَابِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ، لَعَصَمَهُمْ مِنْهُمْ.
وَقَدْ سُمَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِرَاعِ شَاةٍ مَشْوِيَّةٍ، سَمَّتْهُ يَهُودِيَّةٌ، فَلَمْ يَزَلِ السُّمُّ يعاده حَتَّى مَاتَ.
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَر تعادني، فَهَذَا أَوَان انْقِطَاع أَبْهَري" 3
__________
1 سُورَة النِّسَاء: الْآيَة157.
2 طبختهم: أَي هجرتهم من الطابخة: أَي الهاجرة.
3 الحَدِيث علقه البُخَارِيّ بِصِيغَة الحزم برقم 4428 فَهُوَ صَحِيح، وَصَححهُ الألباني: انْظُر صَحِيح الْجَامِع رقم 5629، وَهُوَ عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا، وَقد ورد فِي جَامع الْأَحَادِيث برقم 18600 ورقم 21689، وَأخرجه ابْن السّني وَأَبُو نعيم فِي الطِّبّ عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ:
"مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي فِي كل عَام حَتَّى كَانَ هَذَا أَوَان قطع أَبْهَري".
وَأخرج الدَّارمِيّ فِي الْمُقدمَة 11 ص32 الحَدِيث بِلَفْظ: عَن أبي سَلمَة قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم يَأْكُل الْهَدِيَّة وَلَا يقبل الصَّدَقَة فَأَهْدَتْ لَهُ امْرَأَة من يهود خَيْبَر شَاة مصلية فَتَنَاول مِنْهَا، وَتَنَاول مِنْهَا بشر بن الْبَراء، ثمَّ رفع النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَده، ثمَّ قَالَ: إِن هَذِه تُخبرنِي أَنَّهَا مَسْمُومَة فَمَاتَ بشر بن الْبَراء فَأرْسل إِلَيْهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا حملك على مَا صنعت؟ فَقَالَت: إِن كنت نبيًّا لم يَضرك شَيْء، وَإِن كنت ملكا أرحت النَّاس مِنْك، فَقَالَ فِي مَرضه: مَا زلت من الْأكلَة الَّتِي أكلت بِخَيْبَر فَهَذَا أَوَان انْقِطَاع أَبْهَري".

الصفحة 263