كتاب تأويل مختلف الحديث

17- قَالُوا حَدِيثٌ فِي التَّشْبِيهِ "رُؤْيَةُ الرَّبِّ"
قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "رَأَيْتُ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَنْدُوَتَيَّ" 1.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ، يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا.
فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ كَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ.
وَقَدْ سَأَلَهُ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} 2.
يُرِيدُ أَنْ يَتَعَجَّلَ مِنَ الرُّؤْيَةِ مَا أَجَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ.
فَقَالَ: {لَنْ تَرَانِي} ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ قَوْمٌ: إِنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرَهُ إِلَّا فِي الْمَنَامِ، وَعِنْدَ تَغَشِّي الْوَحْيِ لَهُ، وَإِنَّ الْإِسْرَاءَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، كَانَ بِرُوحِهِ دُونَ جِسْمِهِ، أَلَا تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآن} 3.
__________
1 أخرجه التِّرْمِذِيّ وَعبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح، انْظُر صَحِيح الْجَامِع رقم 59، والدارمي: رُؤْيا 12، وَأحمد 1/ 368، 4/ 88.
وَقد أوردهُ الدَّارمِيّ بِلَفْظ: عَن عبد الرَّحْمَن بن عائش قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: "رَأَيْتُ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ: فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى؟ فَقلت: أَنْت أعلم يَا رب، قَالَ: فَوضع كَفه بَين كَتِفي فَوجدت بردهَا بَين ثديي فَعلمت مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض"، وتلا: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} .
2 الْآيَة: 143 من سُورَة الْأَعْرَاف.
3 الْآيَة: 60 من سُورَة الْإِسْرَاء.

الصفحة 314