كتاب تأويل مختلف الحديث

ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} 1.
قد تَتَابَعَتِ الرِّوَايَاتُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ جِهَاتٍ كَثِيرَةٍ، بِنَقْلِ الثِّقَاتِ أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ، حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ2، عَنْ طَاوُسٍ عَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ" 3.
وَمِنْ ذَلِكَ، حَدِيثُ شُعْبَةَ، عَنْ بَدِيلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ" 4.
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَمَاتِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ" 5، هَذَا مَعَ أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ فِي "مُنكر" و"نَكِير" وَمَسْأَلَتِهِمَا.
مِنْهَا حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ6 عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُجْلَسُ فِي قَبْرِهِ إِجْلَاسًا، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: "صَدَقْتَ"، فَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَيَرَى مَكَانَهُ مِنَ الْجَنَّةِ".
"وَأَمَّا الْآخَرُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، فَيُقَال لَهُ: لَا
__________
1 الْآيَة: 47 من سُورَة الطّور.
2 أَبُو الزبير: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الْأَسدي الْمَكِّيّ أَحْمد الْأَئِمَّة، مَاتَ سنة 128هـ.
3 رَوَاهُ النَّسَائِيّ: استعاذة 47، وَأحمد 6/ 200 - 201.
4 رَوَاهُ أَحْمد: 6/ 53.
5 أخرجه النَّسَائِيّ: استعاذة 47، وَأحمد 6/ 200 و201.
6 حَمَّاد بن سَلمَة بن دِينَار الْبَصْرِيّ الربعِي بِالْوَلَاءِ مفتي الْبَصْرَة، وَأحد رجال الحَدِيث وَمن النُّحَاة كَانَ حَافِظًا ثِقَة مَأْمُونا فَقِيها فصيحًا مفوهًا شَدِيدا على المبتدعة، توفّي عَام 167هـ.

الصفحة 361