كتاب تأويل مختلف الحديث

-40- قَالُوا: حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ "فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ"
قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ1 جَثَّامَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ تَطَؤُهُمْ خَيْلُنَا فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ عِنْدَ الْغَارَةِ، قَالَ: "هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ" 2.
قَالُوا: ثُمَّ رُوِّيتُمْ أَنَّهُ بَعَثَ سَرِيَّةً فَقَتَلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْكَارًا شَدِيدًا.
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ ذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ.
قَالَ: "أَو لَيْسَ خياركم، ذَرَارِي الْمُشْركين؟ " 3.
__________
1 الصعب بن جثامة بن قيس اللَّيْثِيّ صَحَابِيّ من شجعانهم شهد الوقائع فِي عصر النُّبُوَّة وَحضر فتح اصطخر وَفَارِس. وَفِي الحَدِيث يَوْم حنين: لَوْلَا الصعب بن جثامة لفضحت الْخَيل. مَاتَ فِي خلَافَة عُثْمَان، وَقيل قبلهَا، وَله أَحَادِيث فِي الصَّحِيح توفّي سنة 25هـ.
2 أخرجه البُخَارِيّ: جِهَاد 146،كم وَأَبُو دَاوُد: جِهَاد 121 الحَدِيث رقم 2672.
3 أخرجه مُسلم: النَّهْي عَن قتل صبيانمك الْمُشْركين ضمنك حَدِيث بُرَيْدَة الطَّوِيل فِي وَصِيَّة الْقَائِد رقم 1731، وَابْن قُتَيْبَة لم يعز شَيْئا من ذَلِك إِلَى مصدر. وَقد نَص الْقُرْآن الْكَرِيم على وجوب التبين عِنْد قتل الْمُشرك إِذا أبدى قرينَة توهم إِسْلَامه، فَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النِّسَاء: 94] ، فَالْمَعْنى غير مستنكر لَكِن اللَّفْظ غير مَوْجُود فِيمَا عزى إِلَيْهِ، وَمن النكارة فِيهِ لفظ: "أَو لَيْسَ خياركم.."؛ لِأَن الْوَاقِع أَن جلّ الصَّحَابَة إِلَّا الْقَلِيل جدا كَانَ آباؤهم مُشْرِكين، لِأَن الْخطاب للمجاهدين الْكِبَار وَلَيْسَ لمُطلق الصَّحَابَة، فَكَانَ ينْدر فِي الْكِبَار من أَبوهُ مُسلم، فَلَو قَالَ: "أَو لَيْسَ آباؤكم مُشْرِكين" لَكَانَ أولى، غير أَن الحكم للرواية إِذا ثبتَتْ، فالقصد الْخِيَار الْكِبَار وَلَا مُنَافَاة. -للشَّيْخ مُحَمَّد بدير-

الصفحة 383