كتاب تأويل مختلف الحديث
وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُحُدٍ: "هَذَا جَبَلٌ، يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ" 1.
يُرِيدُ: "يُحِبُّنَا أَهْلُهُ" يَعْنِي: الْأَنْصَارَ، "وَنُحِبُّهُ" أَيْ: نُحِبُّ أَهْلَهُ2.
كَذَلِكَ أَقَامَ الْعَرْشَ، مَقَامَ حَمَلَتِهِ وَالْحَافِّينَ مِنْ حَوْلِهِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْتَبْشِرُ بِرُوحِ الْمُؤْمِنِ، وَأَنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بَابًا فِي السَّمَاءِ، يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ وَيَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ، وَيُعْرَجُ فِيهِ بِرُوحِهِ إِذَا مَاتَ، ثُمَّ يُرَدُّ" 3.
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَيْضًا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَقَدْ تَبَادَرَ إِلَى غُسْلِهِ، سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ".
وَهَذَا التَّأْوِيلُ -بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى- سَهْلٌ قَرِيبٌ.
كَأَنَّهُ قَالَ: لَقَدِ اسْتَبْشَرَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَالْمَلَائِكَةُ حَوْلَهُ، بِرُوحِ سَعْدٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: كَيْفَ يُعَذَّبُ مَنْ تَبَادَرَ إِلَى غسله سَبْعُونَ ألف ملك؟
__________
1 رَوَاهُ البُخَارِيّ: اعتصام 16، وَجِهَاد 71 - 74، وأطعمة 38، وَزَكَاة 54، وأنبياء 10، وَرَوَاهُ مُسلم: فَضَائِل 10 وَحج 363 و503 و504، وَرَوَاهُ ابْن ماجة: مَنَاسِك 104، الْمُوَطَّأ: مَدِينَة 10 و20، وَرَوَاهُ أَحْمد 3/ 140-149-159-140-243-443.
2 قَول ابْن قُتَيْبَة فِي معنى حَدِيث أَن أحدا جبل يحبنا ونحبه، يَعْنِي أَهله الْأَنْصَار. هُوَ قَول بَاطِل، ومخالف لظَاهِر النَّص ولنصوص عديدة، قَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه مَا نَصه: "الصَّحِيح الْمُخْتَار أَن مَعْنَاهُ أَن أحدا يحبنا حَقِيقَة جعل الله فِيهِ تمييزًا يحب بِهِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} ، وكما حن الْجذع الْيَابِس، وكما سبح الْحَصَى، وكما فر الْحجر يثوب مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكما قَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي لأعرف حجرا بِمَكَّة كَانَ يسلم عَليّ" "رَوَاهُ مُسلم"، وكما دَعَا الشجرتين المفترقتين فَاجْتَمَعْنَا "رَوَاهُ مُسلم أَيْضا"، وكما رجف حراء ... وَذكر أَشْيَاء كَثِيرَة كلهَا صَحِيحَة. رَاجع مُسلم بشرح النَّوَوِيّ 9/ 139-140، وَمَا بَين المعكوفتين من كَلَامي، وَهُوَ "رَوَاهُ مُسلم". "الشَّيْخ مُحَمَّد مُحَمَّد بدير".
3 روى التِّرْمِذِيّ الحَدِيث فِي كتاب تَفْسِير الْقُرْآن بَاب 46 بِحَدِيث رقم 3255 بِلَفْظ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: مَا من مُؤمن إِلَّا وَله بَابَانِ، بَاب يصعد مِنْهُ عمله، وَبَاب ينزل مِنْهُ رزقه، فَإِذا مَاتَ بكيا عَلَيْهِ، فَذَلِك قَوْله عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} ".
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، ومُوسَى بن عُبَيْدَة وَيزِيد بن أبان الرقاشِي يُضعفَانِ الحَدِيث.
الصفحة 388