كتاب تأويل مختلف الحديث

تقدّمت فِيهِ إِلَيْكَ فَإِنِّي مَعَكَ. تُرِيدُ: أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيَّ تَقْصِيرُكَ أَوْ جِدُّكَ لِلْإِشْرَافِ عَلَيْكَ، وَالْبَحْثِ عَنْ أُمُورِكَ.
وَإِذَا جَازَ هَذَا فِي الْمَخْلُوقِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ، فَهُوَ فِي الْخَالِقِ الَّذِي يَعْلَمُ الْغَيْبَ أَجْوَزُ.
وَكَذَلِكَ "هُوَ بِكُلِّ مَكَانٍ"، يُرَادُ: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْأَمَاكِنِ، فَهُوَ فِيهَا بِالْعِلْمِ بِهَا وَالْإِحَاطَةِ.
وَكَيْفَ يَسُوغُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ بِكُلِّ مَكَانٍ عَلَى الْحُلُولِ مَعَ قَوْلِهِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1، أَيِ: اسْتَقَرَّ؛ كَمَا قَالَ: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} 2، أَي: استقررت.
وَمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} 3.
وَكَيْفَ يَصْعَدُ إِلَيْهِ شَيْءٌ هُوَ مَعَهُ؟ أَوْ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلٌ وَهُوَ عِنْدُهُ؟ وَكَيْفَ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟
وَتَعْرُجُ بِمَعْنَى تَصْعَدُ -يُقَالُ: عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ إِذَا صَعِدَ. وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "ذُو المعارج"، و"المعارج": الدَّرَجُ.
فَمَا هَذِهِ الدَّرَجُ؟ وَإِلَى مَنْ تُؤَدِّي الْأَعْمَالَ الْمَلَائِكَةُ، إِذَا كَانَ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى، مِثْلَهُ بِالْمَحَلِّ الْأَدْنَى؟
وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ رَجَعُوا إِلَى فِطَرِهِمْ وَمَا رُكِّبَتْ عَلَيْهِ خِلْقَتُهُمْ مِنْ مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ، لَعَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْعَلِيُّ، وَهُوَ الْأَعْلَى، وَهُوَ بِالْمَكَانِ الرَّفِيعِ، وَإِنَّ الْقُلُوبَ عِنْدَ الذِّكْرِ تَسْمُو نَحْوَهُ، وَالْأَيْدِي تُرْفَعُ بِالدُّعَاءِ إِلَيْهِ.
وَمِنَ الْعُلُوِّ يُرْجَى الْفَرَجُ، ويتوقع النَّصْر، وَينزل الرزق.
__________
1 الْآيَة: 5 من سُورَة طه.
2 الْآيَة: 28 من سُورَة الْمُؤْمِنُونَ.
3 الْآيَة: 10 من سُورَة فاطر.

الصفحة 394