كتاب تأويل مختلف الحديث

49- قَالُوا أَحَادِيثُ مُتَنَاقِضَةٌ- الْحَيَاءُ وَالْبَيَانُ:
قَالُوا: رَوَيْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْحَيِيَّ الْعَيِيَّ الْمُتَعَفِّفَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْبَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ" 1.
ثُمَّ رُوِّيتُمْ: أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَهُ، فَقَالَ: مَا الْجَمَالُ؟ فَقَالَ: "فِي اللِّسَانِ".
وَأَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا" 2، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {خَلَقَ الْأِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} 3، فَجَعَلَ الْبَيَانَ، نِعْمَةً مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي عَدَّدَهَا.
وَذَكَرَ النِّسَاءَ بِقِلَّةِ الْبَيَانِ فَقَالَ: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} 4، فَدَلَّ عَلَى نَقْصِ النِّسَاءِ، بِقِلَّةِ الْبَيَانِ، وَهَذِه أَشْيَاء مُخْتَلفَة.
__________
1 وَجَدْنَاهُ بِلَفْظ: "الْحيَاء والعي شعبتان من الْإِيمَان، وَالْبذَاء وَالْبَيَان شعبتان من النِّفَاق" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: بر 80، وَأحمد: 5/ 269، وَانْظُر صَحِيح الْجَامِع برقم 3201 عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا.
وَقَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، إِنَّمَا نعرفه من حَدِيث أبي غَسَّان مُحَمَّد بن مطرف، قَالَ: والعي: قلَّة الْكَلَام، وَالْبذَاء: هُوَ الْفُحْش فِي الْكَلَام. وَالْبَيَان: هُوَ كَثْرَة الْكَلَام مثل هَؤُلَاءِ الخطباء الَّذِي يخطبون فيرسعون فِي الْكَلَام ويتفصحون فِيهِ من مدح النَّاس فِيمَا لَا يُرْضِي الله.
وَقد وجدنَا الحَدِيث أَيْضا بِلَفْظ: "إِن اللَّهَ يَبْغَضُ الْبَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ" منفضلًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: أدب 86، وَالتِّرْمِذِيّ: أدب 72، وَأحمد: 2/ 165 و187.
2 ذكره الألباني فِي صَحِيح الْجَامِع الصَّغِير برقم 2216 -مُحَمَّد بدير-.
3 الْآيَة: 3 من سُورَة الرَّحْمَن.
4 الْآيَة: 18 من سُورَة الزخرف.

الصفحة 423