كتاب تأويل مختلف الحديث
عِمَّةُ الشَّيْطَانِ وَرَكَضَتُهُ:
وَكَذَلِكَ رُوِيَ فِي الِاقْتِعَاطِ، وَهُوَ أَنْ يَلْبَسَ الْعِمَامَةَ، وَلَا يَتَلَحَّى بِهَا أَنَّهَا عِمَّةُ الشَّيْطَانِ، لَا يُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَعْتَمُ، وَإِنَّمَا يُرَادُ أَنَّهَا الْعِمَّةُ الَّتِي يُحِبُّهَا الشَّيْطَانُ وَيَدْعُو إِلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي قَوْلِهِ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: "إِنَّهَا رَكْضَةُ الشَّيْطَانِ" وَالرَّكْضَةُ: الدَّفْعَةُ، إِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْطَانُ يَدْفَعُ ذَلِكَ الْعِرْقَ، فَيَسِيلُ مِنْهُ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ، لِيُفْسِدَ عَلَى الْمَرْأَةِ صَلَاتَهَا بِنَقْضِ1 طُهُورِهَا؛ وَلَيْسَ بِعَجِيبٍ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى إِخْرَاجِ ذَلِكَ الدَّمَ بِدَفْعَتِهِ، مَنْ يجْرِي من بن آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ.
أَوْ تَكُونُ تِلْكَ الدَّفْعَةُ مِنَ الطَّبِيعَةِ، فَنُسِبَتْ2 إِلَى الشَّيْطَان؛ لِأَنَّهَا من
__________
= كُله خطأ وَلَيْسَ هُنَاكَ أَي مَانع من إِجْرَاء الحَدِيث على ظَاهره، بل هُوَ مُتَعَيّن لنصوص أُخْرَى كَثِيرَة مِنْهَا مَا روى مُسلم من حَدِيث حُذَيْفَة عَن الْجَارِيَة الَّتِي دَفعهَا الشَّيْطَان إِلَى الطَّعَام ليستحل بهَا فَأخذ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَدِهَا، وَقَالَ: "إِن الشَّيْطَان يسْتَحل الطَّعَام أَن لَا يذكر اسْم الله عَلَيْهِ، وَإنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَة ليستحل بهَا فَأخذت بِيَدِهَا، فجَاء بِهَذَا الْأَعرَابِي ليستحل بِهِ فَأخذت بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن يَده فِي يَدي مَعَ يَدهَا" مُسلم رقم 2017، هَذَا مَعَ حَدِيث جَابر فِي مُسلم وَنَصه: "إِذا أكل أحدكُم فَليَأْكُل بِيَمِينِهِ، وَإِذا شرب فليشرب بِيَمِينِهِ، فَإِن الشَّيْطَان بِأَكْل بِشمَالِهِ" مُسلم رقم 2020، وَحَدِيث خنق الشَّيْطَان الَّذِي تعرض لَهُ فِي صَلَاة اللَّيْل حَتَّى سَالَ لعابه على يَده فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَول الله تَعَالَى: {أَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الْجِنّ] ، فنص الْقُرْآن الْكَرِيم أَن مِنْهُم رجَالًا ونصت السّنة أَن مِنْهُم ذُكُورا وإناثًا لما فِي حَدِيث التَّعَوُّذ من الْخبث والخبائث فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس مَرْفُوعا، وَحَدِيث سَرقَة الشَّيْطَان من الزَّكَاة وَأَنه جَاءَ يحثو من الطَّعَام فَأخذ أَبُو هُرَيْرَة بِيَدِهِ كَمَا ذكره البُخَارِيّ تَعْلِيقا بِصِيغَة الْجَزْم. وروى التِّرْمِذِيّ نَحوه عَن أبي أَيُّوب أَن غولًا جَاءَت تسرق من تمر لَهُ فَأَخذهَا فَحَلَفت لَا تعود، وَغير ذَلِك من الْأَحَادِيث كثير فِي كَون الْجِنّ يتمثلون فِي أشخاص وأجسام وَلم أَيدي وَأَوْلَاد ودواب ويأكلون وَيَشْرَبُونَ، وَعَلِيهِ كَلَام الْعلمَاء فِي شرح الصَّحِيحَيْنِ النَّوَوِيّ وَغَيره، وَكَلَام ابْن قُتَيْبَة فِي هَذَا. -الشَّيْخ مُحَمَّد بدير-.
1 وَفِي نُسْخَة: وينقض ظُهُورهَا.
2 وَفِي نسختين: فتنسب.
الصفحة 460