التصديق"1، ولكن هل التصديق مطابق للفظ الإيمان؟ وهل كل تصديق إيمان؟ أي ألا يوجد فرق بين التصديق والإيمان؟
الحق أن ثمة فروق بين "آمن " و" صدق" فالأول مثلاً يتعدى بالحرف، إما بالباء وإما باللام، كما قال تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} 2، وكما قال: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} 3. أما "صدق" فإنه يصح تعديته بنفسه فيقال: صدقه.
وكذلك فإنه من حيث الاشتقاق اللغوي نجد أن الإيمان مشتق من الأمن4، الذي هو ضد الخوف، فآمن: أي صار داخلاً في الأمن. فهو متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة، كما قال: أخوة يوسف: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} 5 أي: لا تقرّ بخبرنا ولا تثق به، ولا تطمئن إليه، ولو كنا صادقين، فالتصديق وحده لا يدل على ذلك. 6.
وأيضاً فإن الإيمان لا يقال إلا في الأمور الغيبية التي تعتمد على أمانة المخبر، أما المشاهد المحسوس فيقال فيه: صدوق. كما أن مقابل الإيمان: الكفر، ومقابل التصديق: الكذب.
فالخلاصة إذن أن الإيمان تصديق وزيادة، وهو للإقرار أقرب منه إلى التصديق 7.
__________
1 انظر: الأزهري: تهذيب اللغة (15/ 513، 514) ط. شركة ومطبعة البابي الحلبي، مصر، الثانية، 1389هـ، ت: عبد السلام هارون، والفيروزآبادي: القاموس المحيط (4/ 199) ط. المؤسسة العربية للطباعة والنشر بيروت. وابن منظور: لسان العرب (54/21) مادة أمن، ط. دار صادر ودار بيروت. وابن فارس: معجم مقاييس اللغة (1/ 133) والرازي: مختار الصحاح (ص:11) ط. مكتبة لبنان.
2 سورة العنكبوت: الآية (26)
3 سورة البقرة: الآية (285)
4 انظر: الراغب: المفردات (ص: 90ـ 91)
5 سورة يوسف: الآية (17)
6 انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (7/ 292)
7 ولقد بسط شيخ الإسلام هذا المعنى في عدة مواضع. انظر: مجموع الفتاوى (كتاب الإيمان الكبير: 7/ 122) وما بعدها، و (ص:290) وما بعدها.