كتاب فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري (اسم الجزء: 2)
تعالى" (¬1) ومعلوم أن الإِلحاح في الدعاء: هو الإِقبال على الدعاء ولزومه والمواظبة عليه والإِقبال عليه، وتكريره (¬2) كما ذكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه: يا ربِّ يا ربِّ " (¬3).
وهذا يؤكد أهمية الإِلحاح في الدعاء؛ ولهذا قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي " (¬4) فينبغي للداعية أن يلح في الدعاء، ويكرره، ولا يستهين به، وقد أحسن الإِمام الشافعي رحمه الله حيث قال:
أتهزأُ بالدعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدعاءُ
سهام الليل لا تخطي ولكن ... لها أَمَدٌ وللأَمدِ انقضاءُ (¬5)
ثالثا: من صفات الداعية: العفو: ظهر في هذا الحديث كمال عفو النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه لم يعاقب لبيد بن الأعصم، ولم يتعرض له حتى بالكلام، ولم يسأله لِمَ سحره؟ وقد ذكر الإِمام الكرماني رحمه الله في فوائد هذا الحديث أن فيه: "كمال عفو رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -" (¬6) وهذا يوضح للداعية أهمية الاقتداء برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العفو والصفح، وعدم الانتقام للنفس، وبالله الثقة وعليه التكلان (¬7).
رابعا: من القواعد الدعوية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: لا شك أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ ولهذا لم يقتل النبي لبيد بن الأعصم، ولم يُخرج السحر للناس فينشره ويشيعه ويخبر به من
¬_________
(¬1) شرح النووي على صحيح مسلم، 14/ 427، وانظر: فتح الباري لابن حجر، 10/ 228.
(¬2) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب اللام مع الحاء، 4/ 236.
(¬3) مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، 2/ 702، برقم 1015.
(¬4) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري، كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل، 7/ 198، برقم 6340، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم بعجل، 4/ 2095، برقم 2735.
(¬5) ديوان الإمام الشافعي، جمعه محمد عفيف الزعبي، ص 17.
(¬6) شرح الكرماني على صحيح البخاري، 3/ 197.
(¬7) انظر: الحديث رقم 80، الدرس الثالث، ورقم 105، الدرس الرابع.