كتاب فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري (اسم الجزء: 2)
وقد جعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الغدر إحدى الخصال التي من وجدت فيه كان منافقا خالصا، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا ائْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (¬1) وبين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن من نقض عهد الله وعهد رسوله فإنه يسلط عليهم عدوا من غيرهم، فيأخذوا بعض ما في أيديهم، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «كُنْتُ عَاشِرَ عَشَرَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ، وَابْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا "، قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ (¬2) قَالَ: " أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لَهُ اسْتِعْدَادًا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ أُولَئِكَ مِنَ الْأَكْيَاسِ "، ثُمَّ سَكَتَ الْفَتَى، وَأَقْبَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا ظَهَرَ فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمُؤْنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَأْخُذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَلْقَى اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» (¬3) فينبغي للداعية إلى الله عز وجل أن يحذر الناس من الغدر ويبين لهم عاقبة أمره، والله المستعان.
ثانيا: من أساليب الدعوة: الترهيب: إن الترهيب أسلوب مؤثر في نفوس المدعوين؛ ولهذا استخدمه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في
¬_________
(¬1) متفق عليه: البخاري برقم 34، ومسلم، برقم 58، وتقدم تخريجه في الحديث رقم 183، الدرس الثالث، ص 1021.
(¬2) أكيس: أي أعقل، والكيس: العاقل، النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الكاف مع الباء، مادة " كيس " 4/ 217.
(¬3) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، 4/ 540، وأخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب العقوبات 2/ 1332، برقم 4019، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، 1/ 7، برقم 106.
الصفحة 1077