كتاب فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري (اسم الجزء: 1)

وإخراجهم من ظلمات الشرك والمعاصي إلى نور التوحيد والطاعات. وهذا يدل على زهده, وقناعته صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من الخبز الشعير» (¬1) وقالت: «ما أكل آل محمد صلى الله عليه وسلم أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر» (¬2) وقالت: «إنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» (¬3).
وقال صلى الله عليه وسلم: «لو كان لي مثل أحد ذهبا ما يسرّني أن لا يمرّ عليَّ ثلاث وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لدين» (¬4).
وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه «اضطجع على حصير فأثر في جنبه فدخل عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال: يا رسول الله لو أخذت فراشا أوثر من هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " ما لي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (¬5). وقال أبو هريرة رضي الله عنه: «ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض» (¬6).
والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام بلياليها متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالبا كان بسبب قلة الشيء عندهم، على أنهم قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم (¬7).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدَم وحشوه ليف» (¬8)
¬_________
(¬1) البخاري، كتاب الأطعمة، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون، 6/ 252 برقم 5414.
(¬2) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتخلِّيهم عن الدنيا، 7/ 231، برقم 6455.
(¬3) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، 7/ 232، برقم 6459.
(¬4) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري، كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب أداء الديون، 3/ 114، برقم 2389، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة 2/ 687، برقم 991.
(¬5) أحمد في المسند من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، 1/ 301 بلفظه، والترمذي بنحوه، في كتاب الزهد باب 44، 4/ 588، برقم 2377، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، 2/ 1376، برقم 4109، وصححه الألباني في صحيح الترمذي 2/ 280، وصحيح ابن ماجه 2/ 394.
(¬6) البخاري كتاب الأطعمة باب قول الله تعالى كلوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكمْ الآية 6/ 240 برقم 5374.
(¬7) انظر: فتح الباري لابن حجر 9/ 517، 549.
(¬8) البخاري كتاب الرقاق باب كيف كان يعيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتخلِّيهم عن الدنيا 7/ 231 برقم 6456.

الصفحة 143