كتاب فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري (اسم الجزء: 1)
إلى الله عز وجل والاستعاذة به من هذه الخصال كلها، ولا سيما الاستعاذة من العجز والكسل؛ لأن العجز: ترك العمل مع عدم القدرة على عمله، والكسل: ترك العمل مع القدرة على عمله؛ لعدم انبعاث النفس للخير، وقلة الرغبة فيه مع إمكانه (¬1).
ويستعيذ الداعية من البخل والجبن؛ لأن الجود: إما بالنفس: وهو الشجاعة، ويقابله الجبن، وإما بالمال وهو السخاوة ويقابله البخل، ولا تجتمع الشجاعة والسخاوة إلا في نفس كاملة، ولا ينعدمان إلا لمتناهٍ في النقص (¬2) وقد قرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين: الاستعاذة من الجبن والبخل؛ لأن الإِحسان المتوقع من العبد: إما بماله، وإما ببدنه، فالبخيل مانع لنفع ماله، والجبان مانع لنفع بدنه (¬3).
ويلتجئ الداعية إلى الله، ويستعيذ به من فتنة الدنيا؛ لأن من أصيب بذلك باع آخرته بما يتعجله في الدنيا من حال ومال (¬4) وفتنة المحيا: ما يتعرض له الإِنسان مدة حياته، من الافتتان بالدنيا، والشهوات والجهالات، وأعظمها - والعياذ بالله - سوء الخاتمة عند الموت، وفتنة الدنيا أطلقت على فتنة الدجال؛ لأن فتنته أعظم الفتن في الدنيا، وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة المحيا (¬5) ويستعيذ بالله من فتنة الممات. قال ابن دقيق العيد رحمه الله: " وفتنة الممات " يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إلى الموت لقربها منه، وتكون فتنة المحيا - على هذا - ما يقع قبل ذلك في مدة حياة الإنسان، وتصرفه في الدنيا، ويجوز أن يكون المراد بفتنة الممات: فتنة القبر. . . ولا يكون على هذا متكررا مع قوله: " من عذاب القبر "؛ لأن العذاب مرتب على الفتنة. . . " (¬6).
¬_________
(¬1) انظر: فتح الباري لابن حجر، 6/ 36، وعمدة القاري للعيني، 19/ 18.
(¬2) انظر: مرقاة المفاتيح، لملا علي القاري، 3/ 42.
(¬3) انظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم ص 460.
(¬4) انظر: عمدة القاري، للعيني 14/ 119.
(¬5) انظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد، 1/ 311، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، 2/ 319، وعمدة القاري للعيني، 23/ 7.
(¬6) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، 1/ 311.