كتاب فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري (اسم الجزء: 1)
ويشتد قلقهم منه؛ لأن المؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر؛ لأن دسائس السوء من أسباب سوء الخاتمة (¬1). وقد ذكِرَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لحذيفة رضي الله عنه: " نشدتك بالله هل سمّاني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ " - يعني من المنافقين- قال: لا، ولا أبرئ بعدك أحدا، يعني لا يكون مفشيا سرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم (¬2). وقال عبد الله بن أبي مليكة: " أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، وما منهم من أحد يقول: إن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل " (¬3). وقال إبراهيم التيمي رحمه الله: " ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا " (¬4). ويذكر عن الحسن: " ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق " (¬5).
ويذكر عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: " لأن أستيقن أن الله تقبل لي صلاة واحدة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] (¬6).
2 - التوبة من جميع الذنوب والمعاصي وإتباعها بالأعمال الصالحة؛ لأن التسويف في التوبة من أسباب سوء الخاتمة؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] (¬7). وقال سبحانه وتعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49 - 50] (¬8). ولا شك أن: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (¬9).
¬_________
(¬1) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب 1/ 174، و 172.
(¬2) ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية 5/ 19.
(¬3) البخاري، كتاب الإِيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، معلقا مجزوما به، 1/ 21.
(¬4) المرجع السابق في الكتاب والباب المذكور، 1/ 21، معلقا مجزوما به.
(¬5) المرجع السابق في الكتاب نفسه والباب، 1/ 21، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري 1/ 111 " وصله جعفر الفريابي في كتاب صفة المنافقين،، وأشار الحافظ رحمه الله إلى صحته.
(¬6) ذكره ابن كثير في تفسيره، 2/ 41، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وانظر: المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لابن القيم، ص 32، والآية من سورة المائدة: 27.
(¬7) سورة النور، الآية: 31.
(¬8) سورة الحجر، الآيتان: 49 - 50.
(¬9) رواه ابن ماجه برقم 2450، والطبراني في المعجم الكبير، برقم 10281، وتقدم تخريجه في الدرس الثاني من الحديث رقم 39، ص 268.