كتاب فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري (اسم الجزء: 1)
ولا شك أن المسجد ميدان عظيم من ميادين الدعوة إلى الله عز وجل، فينبغي للدعاة إلى الله سبحانه وتعالى أن يجعلوه ميدانا: للمحاضرات العلمية، والندوات، والخطب، والكلمات الوعظية، وإقامة الدروس، وتعليم الناس أمور دينهم، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل وصحابته من بعده، ومن سار على نهجهم واقتدى بهديهم (¬1).
ثالثا: من صفات الداعية: الرفق: دل هذا الحديث على صفة الرفق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رفق في نهيه لعمر رضي الله عنه حينما حصب الحبشة بالحصباء، فقال صلى الله عليه وسلم له: «دعهم يا عمر» وهذا يدل على رفق النبي صلى الله عليه وسلم ولينه الحكيم؛ قال الله عز وجل: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] (¬2) فظهر من هذه الآية أن حقيقة الرفق: لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل والأيسر، وحسن الخلق، وكثرة الاحتمال، وعدم الإِسراع بالغضب والعنف (¬3) وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (¬4).
وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (¬5) وعنها رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يحرم الرفق يحرم الخير» (¬6) وعنها رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «إنه من أعطي
¬_________
(¬1) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 6/ 433 - 437، وبهجة النفوس لابن أبي جمرة، 3/ 224 - 226، " وإكمال إكمال المعلم، شرح صحيح مسلم، للأبي 3/ 271 - 273، وفتح الباري لابن حجر، 1/ 156، 186، 187، 192، 230.
(¬2) سورة آل عمران، الآية: 159.
(¬3) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الراء مع الفاء، مادة: " رفق " 2/ 246، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، 10/ 449.
(¬4) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل الرفق، 4/ 2004، برقم 2593 عن عائشة رضي الله عنها.
(¬5) المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما، 4/ 2004، برقم 2593.
(¬6) المرجع السابق في الكتاب والباب المشار إليهما 4/ 4003، برقم 2592.