كتاب فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري (اسم الجزء: 2)
خامسا: أهمية الشورى مع العلماء والدعاة: إن الشورى من أهم الأمور التي ينبغي أن يعتني بها الداعية إلى الله - عز وجل، لما فيها من اجتماع الكلمة، وسداد الرأي، والاستفادة من الخبرات والتجارب، وقد ظهرت الشورى في هذا الحديث؛ لقول جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاؤُوا إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: " أنا نازل " فأخذ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - المعول، فضرب فعاد كثيبا أهيل»، فقد استفاد الصحابة بهذه الشورى مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - فأزيلت الكدية بعمل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. وفي هذا الحديث أيضا أن جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - شاور زوجته في شأن إطعام الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - فقال: «رأيت بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - شيئا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق». وهذا يؤكد أهمية الشورى وخاصة مع العلماء والدعاة، والأخيار الصالحين (¬1).
سادسا: أهمية الصبر على الابتلاء والامتحان: دل هذا الحديث على أهمية الصبر على الابتلاء والامتحان؛ ولهذا صبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - على الجوع والخوف أيام الخندق، كما في الحديث أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - قام وبطنه معصوب بحجر، وقد لبث أصحاب الخندق مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا؛ ولحكمة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - عصب الحجر على بطنه؛ لأن الجوع يخشى منه أن يضمر البطن فينحني الصلب، فإذا وضع الحجر على البطن وَشُدَّ بالعصابة استقام الظهر، وقيل: لعل ذلك لتسكين حرارة الجوع ببرد الحجر؛ ولأنها حجارة رقاق قدر البطن تشد الأمعاء فلا يتحلل شيء مما في البطن، فلا يحصل ضعف زائد بسبب التحلل. (¬2).
وهذا يؤكد ما أصاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - وأصحابه - رضي الله عنهم - من شدة الحال، وقلة ما في اليد، فصبروا وصابروا والله المستعان (¬3).
¬_________
(¬1) انظر: الحديث رقم 64، الدرس الثالث، ورقم 108، الدرس الرابع عشر.
(¬2) انظر: شرح الكرماني على صحيح البخاري، 16/ 30، وفتح الباري لابن حجر، 7/ 396.
(¬3) انظر: الحديث رقم 9، الدرس الثامن، ورقم 66، الدرس الأول.