كتاب الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة (اسم الجزء: 3)

فأما مسألة التكفير، فإنا لا نكفر كل من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، واعتقد عقيدتنا، ونلتمس لكلامه ما يدرأ عنه الكفر، للأصل الأصيل في باب الحدود، وهو حديث: "ادرأوا الحدود بالشبهات". نقول هذا أولًا مع الحشوية الذين لا يفقفون لكلام أولئك من قاعدة، وإلا فإنهم في فنهم على أصول قرروها، واصطلاحات حرروها، من رجع إليها رأى أن كلامهم شعبة من فن الحكمة. إلا أن مؤلفيها لما كانوا من أرباب الرياضة، والتجريد، والتزهد، مع الانصباغ بصبغة الدين، كان كلامهم أشبه بفلسفة إسلامية، لا يونانية محضة، فأصبحت مزيجًا، كما يعلمه الواقف على كلامهم في مطولات كتبهم، كالفتوحات والأسفار الأربعة، وغيرها.
نعم، لا ينكر أنها اشتملت على ما هو مردود، ومنظور فيه، مما ظهرت الحكمة الجديدة، والفلسفة الحقة الآن، بخلافه، إلا أنها في تلك العصور كانت هي المشهورة المتداولة وأما اشتمالها على ما يشعر بالحلول، أو الاتحاد، فهو ما يفهم منها بحسب ظاهر اللفظ، ولو رجع إلى مقاصد أربابها لوجدهم يبرؤون إلى الله من أن يفهم حلول أو اتحاد، لأنه خلاف الفن، وخلاف قواعده، لأن الوجود الكلي لا يتعين، فتعينه بذات، ودعوى أنه هو هي، خطأ في الفن، فالعلم يتبرأ منه. فإذن من الفرية عيهم أنهم يقولون بالحلول والاتحاد، ومن الجهل بقواعدهم ومشربهم واصطلاحاتهم .. " أ. هـ.
قلت: انظر في الرد على السانحة رقم (30) ما قاله شيخ الإسلام في مجمع الفتاوى (8/ 406) وما بعدها و (8/ 448) وما بعدها ودرء تعارض العقل والنقل (10/ 112) و (9/ 271) وما بعدها. ومنه يظهر لك خطأ ما ذهب إليه القاسمي في ذلك. وأن ما قاله ليس هو قول أهل السنة والجماعة.
أما ما ذكره في السانحة رقم (50) فنقول إنه قد ظهر أمر ابن عربي وأتباعه وانكشف فلا حاجة للاعتذار عنهم بمثل ما قاله القاسمي. ولا ندري ما الذي دفع القاسمي إلى القول بهذا مع أنه من العلماء الذين نذروا أنفسهم لنشر مذهب السلف وخصوصًا في مسألة الأسماء والصفات وتفسيره محاسن التأويل خير دليل على ذلك.
وحاولنا قدر الإمكان التحقق من نسبة هذه الأقوال إليه فوجدنا أن الأمر لا ليس فيه فقد ذكر ابنه ما نصه: "ولقد كانت هذه السوانح متنفسًا للقاسمي على ما يظهر، كتب فيها بعض آرائه التي لم يكن يجرؤ على نشرها. في المؤلفات التي طبعت في حياته ولا سيما دعوته إلى إعمال الفكر وإلى الاجتهاد. ففي هذه السوانح ترى هذه الدعوة واضحة" (القاسمي وعصره: ص: 260) بقي لنا أن نعلم أن تاريخ كتابة السانحة رقم (30) كان في صفر سنة (1326 هـ) والسانحة رقم (55) هو عيد الأضحى سنة (1327 هـ) وتاريخ كتابة التفسير هو عيد من سنة (1317 هـ) إلى سنة (1329 هـ).
قال الأستاذ المغراوي في كتابه "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات": "وله كتاب في تاريخ الجهمية أشك في نسبته إليه لما فيه من تعارض مع كتابه الكبير المسمى بمحاسن التأويل

الصفحة 2449