كتاب الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة (اسم الجزء: 3)

{وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}.
فقد ورد عن مجاهد في تفسير ذلك قال: "يجلسه معه على عرشه" (¬1).
وقد رد هذا القول ابن عبد البر -رحمه الله- في مواضع كثيرة من كتبه، ففي إحدى المواطن، ذكر تفسير مجاهد لقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (*) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} قال -يعني مجاهد- حسنة إلى ربها ناظرة قال: تنظر الثواب.
ثم عقب عليه بقوله:
"ولكن قول مجاهد هذا مردود بالسنة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقاويل الصحابة، وجمهور السلف، وهو قول عند أهل السنة مهجور، والذي عليه جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، ومجاهد وإن كان أحد المقدمين في العلم بتأويل القرآن، فإن له قولين في تأويل آيتين هما مهجوران عند العلماء مرغوب عنهما، أحدهما هذا، والآخر قوله في قول الله عزَّ وجلَّ: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} -ثم روى بسنده عنه أنه قال- يوسع له على العرش فيجلسه معه، وهذا قول مخالف للجماعة من الصحابة ومن بعدهم. فالذي عليه العلماء في تأويل هذه الآية أن المقام المحمود: الشفاعة ... " (¬2).
وقد أنكر هذا التفسير في موطن آخر، واعتذر عن مجاهد بأنه قد روي عنه في تفسير هذه الآية مثل الذي عليه الجماعة:
وقد روي عن مجاهد أن المقام المحمود: أن يقعده معه يوم القيامة على العرش، وهذا -عندهم- منكر في تفسير هذه الآية، والذي عليه جماعة العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين- أن المقام المحمود، هو المقام الذي يشفع فيه لأمته، وقد روي عن مجاهد مثل ما عليه الجماعة من ذلك، فصار إجماعًا في تأويل الآية من أهل العلم بالكتاب والسنة" (¬3).
ثم روى عدة آثار في أن المقام المحمود هو الشفاعة، عن مجاهد، وابن مسعود، وحذيفة، وقتادة، وغيرهم (¬4)،
والحق أن السلف -رحمهم الله- قد اختلفوا في إثبات معنى هذا الأثر، فمن السلف من أجازه، رغم ترجيحه أن المقام المحمود هو الشفاعة، كما فعل ابن جرير -رحمه الله- (¬5).
وقال في صفحة (124) في إيراد قول ابن عبد البر خبر الواحد: (والإمام ابن عبد البر يرى وجوب العمل بخبر الواحد في الحدود وغيرها من الأحكام، ومن ذلك قوله:
"وإذا وجب ذلك في الحدود فسائر الأحكام أحرى بذلك" (¬6)، بل صرح بالأخذ به في الاعتقادات فقال:
"ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله أو صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من
¬__________
(¬1) تفسير ابن جرير (15/ 145).
(¬2) التمهيد (7/ 157).
(¬3) التمهيد (19/ 54).
(¬4) التمهيد (19/ 54).
(¬5) تفسير ابن جرير (15/ 143).
(¬6) التمهيد (9/ 92).

الصفحة 2948