كتاب الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس (اسم الجزء: 2)

واحتجوا في أن لا يحكم على غائب (¬١) بخبر ساقط: "إذا جلس بين يديك خصمان، فلا تقض لأحدهما، حتى تسمع من الآخر" (¬٢).
وهذا خبر ليس فيه ذكر للحكم على الغائب أصلا، وإنما فيه الحكم بين حاضرين بين يدي الحاكم، بأن لا يحكم لأحدهما بكلامه دون أن يسمع من الآخر، وهذا لا يخالف فيه أحد من خلق الله تعالى، فموهوا به فيما ليس فيه منه شيء.
واحتجوا بالخبر الثابت عن رسول الله: "شاهداك أو يمينه، ليس
---------------
(¬١) مذهب الحنفية في هذا أن لا يقضى على غائب إلا أن يحضر من يقوم مقامه كالوكيل والوصي، واحتجوا بالحديث الذي أورده المصنف هنا وقالوا: ولأن القضاء لقطع المنازعة هنا لعدم الإنكار، فلا يصح، ولأن وجه القضاء يشتبه في هذه الحالة، لأنه يحتمل أن يقر الخصم، ويحتمل أن ينكر، وانظر بسط الكلام في هذه القضية في: تبيين الحقائق (٤/ ١٩١) ورد المحتار لابن عابدين (٤/ ٣٣٥) والمحلى (٩/ ٣٦٦).
(¬٢) أخرجه أبو داود في الأقضية، باب كيف القضاء برقم (٣٥٨٢)، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في القاضي لا يقضي بين الخصمين حتى يسمع كلامهما برقم (١٣٤٦)، وأحمد في مسنده (٤/ ٤) و (٥/ ٥٢) وساقه أبو داود من طريق سماك بن حرب عن حنش عن علي عليه السلام قال: "بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قاضيا، فقلت: يا رسول الله ترسلني، وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء ... ".
ومن هذا الطريق أخرجه الترمذي وقال: "هذا حديث حسن". قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٤/ ٥٦١): "ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره". وأورده المؤلف في المحلى (٩/ ٣٦٨) من هذا الطريق وقال: " ... أما الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فساقط. لأن شريكا مدلس، وسماك بن حرب يقبل التلقين، وحنش بن المعتمر ساقط مطرح".

الصفحة 497