كتاب الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس (اسم الجزء: 2)

القول في ذكر طرف من أخذهم بالمنسوخ المتقدم وتركهم الناسخ المتأخر
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (¬١): قد ذكرنا أخذهم بقول الله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} (¬٢)؛ فهو المتقدم المنسوخ، وتركهم قول الله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (¬٣). ومن ذلك احتجاجهم في سقوط الحج عن العبد بقوله عليه السلام: "إذا حج العبد ثم أعتق فعليه حجة أخرى، وإذا حج الأعرابي، ثم هاجر، فعليه حجة أخرى" (¬٤)، وهذا خبر كان قبل الفتح بلا شك، وتركوا الخبر الثابت من قوله عليه السلام في حجة الوداع: "أَيُّها الناس كتب عليكم الحج فحجوا" (¬٥)، فَعَمَّ عليه السلام، ولم يخص.
ومن ذلك احتجاجهم في المنع من الطيب عند الإحرام - وهو آخر فعله
---------------
(¬١) سقطت من (ت).
(¬٢) سورة البقرة، الآية ١٨٤.
(¬٣) سورة البقرة، الآية ١٨٥.
(¬٤) مضى تخريجه.
(¬٥) أخرجه أبو داود في المناسك برقم (١٧٢١)، وابن ماجه في المناسك برقم (٢٨٨٦)، والنسائي في الصغرى في الحج، باب وجوب الحج (٥/ ١١١) وأحمد في المسند (٣/ ٥٤) رقم (٢٣٠٤) عن ابن عباس قال: خَطَبَنَا - يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أيها الناس كتب عليكم الحج، قال: فقام الأقرع بن حابس فقال: في كل عام يا رسول الله؟ قال: لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تَعْمَلُوا أو لم تستطيعوا أن تعملوا بها، فمن زاد فهو تطوع".

الصفحة 608