وبالجملة، فكل من بَذَلَ نَفْسهُ لإعزازِ الدِّين، وتوهين أهل الكفرِ؛ فهو المقامُ
¬_________
= وأما إذا كان في صف المسلمين وأراد أن يحمل على الجيش من العدو وحده محتسباً بنفسه على الله ليقوي بذلك نفوس المسلمين ويلقي الرعب في قلوب المشركين، فمن أهل العلم من كرهه ورآه مما نهى الله عنه من الإلقاء إلى التهكلة لقوله -عز وجل-: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] وممن روى ذلك عمرو بن العاص، ومنهم من أجازه واستحبه لمن كانت به قوة عليه وهو الصحيح» .
فالخلاف في المسألة ضعيف، قال ابن تيمية في «قاعدة في الانغماس في العدو، وهل يباح» (ص 24) : «والرجل ينهزم أصحابه، فيقاتل وحده، أو هو وطائفة معه العدو، وفي ذلك نكاية في العدو، ولكن يظنون أنهم يُقْتلون، فهذا كله جائز عند عامة علماء الإسلام من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، وليس في ذلك إلا خلاف شاذ.
وأما الأئمة المتبوعون كالشافعي وأحمد وغيرهما؛ فقد نصوا على جواز ذلك، وكذلك هو مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما» ، ودلل عليه بتطويل من الكتاب والسنة وإجماع السلف، ونحوه في «مجوع الفتاوى» (28/540) له.
وكلام الشافعي الذي أشار إليه في «الأم» (4/92) قال -رحمه الله-: «لا أرى ضيقاً على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسراً، أو يبادر الرجل، وإن كان الأغلب أنه مقتول؛ لأنه قد بودر بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحمل رجلٌ من الأنصار حاسراً على جماعة من المشركين يوم بدر، بعد إعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بما في ذلك من الخير فقتل» . وانظر: «الأوسط» (11/306-307) . وكلام أحمد في «مسائل صالح» (2/469) قال: «قلت: الأسير يجد السيف أو السلاح فيحمل علهيم وهو لا يعلم أنه لا ينجو، أعانَ على نفسه؟ قال: أما سمعت قول عمر حين سأله الرجل فقال: إنّ أبي أو خالي ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال عمر: «ذلك اشترى الآخرة بالدنيا» » .
وقال أبو داود في «مسائله» (247) : «سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا علم أنه يؤسر فليقاتل حتى يقتل أحب إليَّ» . وقال: «لا يستأسر، الأسر شديد» . وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل سأل عن الأسير إذا أُسر؛ له أن يقاتلهم؟ قال: «إذا علم أنه يقوى بهم» .
وانظر: «المغني» (9/176) ، و «كشاف القناع» (3/70) ، «الإنصاف» (4/125) .
وانظر مذهب الحنفية في: «أحكام القرآن» للجصاص (1/327-328) ، «حاشية ابن عابدين» (4/127) .
وانظر للمالكية: «الذخيرة» (3/410) ، «النوادر والزيادات» (3/52، 53) ، «الفروق» (4/ 1401- ط. دار السلام) ، «التاج والإكليل» (3/307) ، «الخرشي» (3/120) ، «تفسير القرطبي» (2/ 363-364) ، «حاشية الدسوقي» (2/178) .