على السَّعة في التولّي عنهم، وهذا مسلكٌ سديدٌ في حمل الآية في تحريم التولِّي على أنها مُحْكَمةٌ غير منسوخة، كما ذهب إليه عطاء، وأنها عامة في خطاب جميع المسلمين، لا مقصورة على أهل بدر، كما ذهب إليه جماعة (¬1) ، ثم كون الآيةُ بَعْدُ مخصصة الإطلاقِ بالآية الأخرى، في بيان ما أريد بها من مبلغ عدد الكفَّار الذين يحرم التولي عنهم. قال ابن عباس: «إنْ فَرَّ رجلٌ من رَجْلين فقد فَرَّ، وإن فَرَّ من ثلاثة فلم يَفرَّ» (¬2) . قال ابن شُبْرمة (¬3) : وكذلك النهي عن المنكر، لا يحلُّ له أن يَفِرَّ
¬_________
(¬1) مضى تحقيق مذهب عطاء ومن قال: إنها مقصورة على أهل بدر.
(¬2) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (رقم 1001- ط. الحميد، ورقم 2538- ط. الأعظمي) ، وابن المبارك في «الجهاد» (رقم 235) ، وأحمد بن منيع في «مسنده» -كما في «إتحاف الخيرة المهرة» (3/ ق 77/أ) -، والبيهقي في «الكبرى» (9/76) من طريق ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
ورواه الطبراني باللفظ الذي عند البيهقي عن ابن عباس مرفوعاً، ورجاله ثقات. قاله الهيثمي في «المجمع» (5/331) .
قلت: ولا يصحَّ المرفوع. انظر: «الضعيفة» (رقم 6182) .
وأخرجه عبد الرزاق (5/252/ رقم 9525) عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أنه بلغه أن ابن عباسٍ قال: جُعل على المسلمين على الرجل عشرة من الكفار، في قوله: {إِن يَكُن مِنكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} فإن لقي رجلٌ رجلين فَفَرَّ، أو رجلاً ففرَّ، فهي كبيرة، وإن لقي ثلاثة فَفَرَّ منهم، فلا بأس.
وأخرجه سعيد بن منصور (رقم 1000- ط. الحميد، ورقم 2537- ط. الأعظمي) ، والشافعي في «الأم» (4/92) ، والطبراني (11211) ، وابن الجارود (1049) ، والبيهقي (9/76) ، وفي «الشعب» (8 رقم 4001) ، والطحاوي بسندٍ صحيح عنه، وكذا ابن أبي شيبة (12/537) ، وزاد: «يعني من الزحف» .
(¬3) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب التفسير (باب {يَا أيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنينَ عَلَى القِتَالِ ... } الآية) بعد رقم (4652) ، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن ابن عباس. في ذكر آية التخفيف. ثم قال: قال سفيان: وقال ابن شبرمة: «وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا» .
قال الحافظ في «الفتح» (8/312) : «وهو موصول، ووهم من زعم أنَّه معلَّق، فإن في رواية ابن أبي عمر عن سفيان، عند أبي نعيم في «المستخرج» : قال سفيان: فذكرته لابن شبرمة، فذكر مثله» .
وقول ابن شبرمة: «وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا» . قال الحافظ: «أي أنه =