مسلماً بريئاً لينجو بذلك من القتل (¬1) .
وأما ما وقع الاختلاف فيه مِن رَمْي الحصون بالنار، فنذكر وجهه، والأرجح منه -إن شاء الله- في الفصل بعد هذا.
وأما اختلافهم في إيجاب دية من أصيب في ذلك من أسرى المسلمين فسببه: هل يحمل ذلك على الخطأ المحض، فتجب فيه الدية؟ أو لمَّا كان القتال مباحاً مأذوناً فيه على الأدلة المتقدمة، كانت الإصابة فيمن أصيب مستندةً إلى الإذنِ الشرعي، فلم يكن له حكم الخطأ؟ وهذا ضعيف؛ لأن إصابة المسلم لم يكن فيها إذن بحال، والقول بإثبات الدية أَوْلَى، ويُبيِّن ذلك حديث جرير بن عبد الله، خرَّجه أبو داود -وقد تقدم- قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سريةً إلى خثعم، فاعتصم ناسٌ منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمر لهم بنصف العَقْلِ، وقال: «أنا بريءٌ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» (¬2) ، فيحتمل -والله أعلم- أن يكون أهدرَ النصف الثاني؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم
¬_________
(¬1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» (28/546) : «وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا، فإنهم يقاتلون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم» .
وقال: «وهؤلاء المسلمون -أي المتترَّس بهم- إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيداً» .
ورجَّح الدكتور حسن أبو غدة في كتابه «قضايا فقهية في العلاقات الدولية حال الحرب» (ص 151) مذهب الحنفية وهو جواز رمي العدو المتترسين والمتحصنين بالمسلمين حال وجود مصلحة وحاجة إلى الرمي، وإن لم تكن هناك ضرورة.
وانظر: «المبسوط» (10/65) ، «بدائع الصنائع» (6/63) ، «البناية» (5/128) ، «تبيين الحقائق» (3/243) ، «تفسير القرطبي» (16/287-288) ، «المستصفى» للغزالي (1/141-142) ، «السياسة الشرعية» لشيخ الإسلام (ص 114) .
(¬2) أخرجه أبو داود (رقم 2645) ، والترمذي (1604) من حديث جرير بن عبد الله -رضي الله عنه-. وفيه أمره - صلى الله عليه وسلم - لهم بنصف العقل.
وهو صحيح دون الأمر بنصف العقل. كما قال شيخنا الألباني -رحمه الله-. وقد مضى تخريجه.