واختلف في الوجوه الثلاثة: من المنِّ، والمفاداة به، والإقرار على ضرب الجزية؛ إذا رأى الإمام واحداً منها:
فقيل: يكون ذلك كالقتل، يُخرجه من جملة الغنيمة.
وقيل: بل يصير له بالاستحياء حكم الغنيمة الواجب قسمها، فإذا فعل ذلك الإمام احتسب به من الخمس، بخلاف القتل، وكلا القولين لأصحاب مذهب مالك.
وسبب الخلاف فيما ذكره بعضهم هو: هل الغنيمة مملوكة بنفس
الأخذ، أو حتى تُقسم؟ (¬1) وقد كان يجب أن لا يختلفوا أنَّ ذلك كله واحدٌ في خروجه من جملة الغنيمة، سواء قيل: إن الغنمية تملك بالأخذ أو بالقسمة، ويكون له حكم الاستثناء، كقولهم في القتل ولا فَرْق؛ لقيام الأدلة على أن ذلك مُخيَّرٌ فيه الإمام، وليس هناك ما يقتضي أن يحسب ذلك من الخمس، بل الخمس مستحقٌّ -أيضاً- في أصنافٍ سمَّاهم الله -عز وجل-، كاستحقاق الغانمين للأربعة الأخماس، فكيف يحمل ذلك عليهم خاصة دون مستحقي الأربعة الأخماس، وجميعهم شركاء؟!
ومن الدليل على خروج ذلك من جملة الغنمية، ما خرَّجه البخاري (¬2) ، عن محمد بن جبير، عن أبيه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في أسارى بدر: «لو كان المُطعم بن
¬_________
(¬1) قال القرافي في «الذخيرة» (3/427) وذكره: «قولان في المذهب، وبالقسمة قال مالك» .
وانظر خلاف العلماء في هذه المسألة: «الكافي» (1/410) ، «المنتقى» (3/176) ، «رؤوس المسائل» لابن القصَّار (51) ، «عقد الجواهر» (1/477) ، «تهذيب المسالك في نصرة مذهب الإمام مالك» (3/584) ، «التمهيد» (20/38-39) ، «القوانين الفقهية» (130) ، «الأم» (4/147-148) ، «التنبيه» (235) ، «الوجيز» (2/193) ، «مختصر الطحاوي» (282) ، «القدوري» (114) ، «المبسوط» (10/ 32) ، «رؤوس المسائل» للزمخشري (367) ، «بدائع الصنائع» (7/121) ، «إيثار الإنصاف» (230- 231) ، «طريقة الخلاف» (246، 262) ، «الغرة المنيفة» (160، 170) ، «المغني» (13/107) ، «المحرر» (2/173) ، «الإنصاف» (4/163) .
(¬2) في «صحيحه» في كتاب فرض الخمس (باب ما مَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على الأسارى من غير أن يخمس) (رقم 3139) ، وفي كتاب المغازي (باب منه) (رقم 4024) .