بحكم التبعية وتغليب التذكير، فهو يفتقر إلى ما يدلُّ عليه، بل لو سُلِّم أن الصيغة بأصل الوضع عامة في المذكَّر والمؤنث، لكان خروج نساء الكفار من القتل والقتال معلوماً من الشرع، فعموم الآية هنا لا يتناول النساء على كل حال (¬1) . وأما العبيد: فالعموم صالح فيهم (¬2) .
واختلفوا في العبد من أهل الكتاب يُعتقُ؛ فقال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي (¬3) : تؤخذ منه الجزية. قال الشافعي: وسواء أعتقه مسلمٌ أو
كافرٌ، وقال
¬_________
(¬1) أخرج أبو عبيد في «الأموال» (رقم 93) ، وعبد الرزاق (10096، 19267) من طريق أيوب -وهو السختياني-، وابن أبي شيبة (7/582) في «مصنفيهما» ، والبيهقي في «الكبرى» (9/ 195- 196) من طريق عبيد الله بن عمر، كلاهما عن نافع، عن أسلم مولى عمر، أن عمر -رضي الله عنه- كتب إلى أمراء الأجناد: أن يقاتلوا في سبيل الله، ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم، ولا يقتلوا النساء، ولا الصبيان، ولا يقتلوا إلا من جَرَتْ عليه المواسي ... ، وزاد أبو عبيد في روايته: وكتب إلى أمراء الأجناد: أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من جَرَتْ عليه المواسي. قال أبو عبيد: يعني: من أَنْبَتَ.
وهذا أثر صحيح. وقد بوَّب عليه أبو عبيد (ص 45) -وذكر عدة أحاديث- باباً خاصاً سماه (من تجب عليه الجزية، ومن تسقط عنه من الرجال والنساء) .
قال أبو عبيد (ص 46) ، -وذكره عنه ابن القيم رحمه الله في «أحكام أهل الذمة» (1/151) -: «وهذا الحديث هو الأصل فيمن تجب عليه الجزية، ومن لا تجب عليه، ألا تراه إنما جعلها على الذكور المذكورين دون الإناث والأطفال، وأسقطها عمن لا يستحق القتل، وهم الذرية؟» .
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ عندما أرسله إلى اليمن: «خذ من كلِّ حالم ديناراً» -وهو صحيح، وسبق تخريجه-. دلالة على أن الجزية لا تجب على غير بالغ.
(¬2) انظر في الرد على ابن حزم: «إعلاء السنن» (12/464) .
(¬3) انظر: «البيان» للعمراني (12/268-269) ، «روضة الطالبين» (10/301) ، «الحاوي الكبير» (18/357) ، «المجموع» (21/320) ، «التهذيب» للبغوي (7/503) ، «مختصر الطحاوي» (294) ، «اللباب» (4/145) .
وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، أخرجه عبد الرزاق (6/23 رقم 9884) عن سفيان الثوري، عنه: أنه أخذ الجزية من عتقاء المسلمين، من اليهود والنصارى. وبه قال سفيان الثوري، والليث بن سعد.
وهو مذهب الإمام أحمد في الصحيح عنه، رواه عنه جماعة. =