كتاب الإنجاد في أبواب الجهاد

أبو عبيد (¬1) ، وجماعةٌ من أهل العلم (¬2) ، قال أبوعبيد: «إلاَّ أن يكون ذلك بممالأةٍ منهم، ورضىً بما صنعت الخاصة؛ فهناك تحل دماؤهم» . وقال سفيان بن عيينة (¬3) : «الذي انتهى إلينا من العلم أنَّ من نقض شيئاً مما عوهدوا عليه، ثم أجمع القوم على نقضه، فلا ذمة لهم» . وَذَكَر أهلَ مكةَ ونَقْضَهم، وقال: «لا نعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاهد قوماً فنقضوا العهد إلا استحل قتلهم، غير أهل مكة: فإنه مَنَّ عليهم، وإنما كان نَقضُهم الذي استحلَّ به غزوهم: أن قاتلت حلفاؤهم مِنْ بني بكر، حلفاءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خزاعة، فنَصَر أهلُ مكةَ بني بكر علىحلفائه؛ فاستحلَّ بذلك غَزوهم» (¬4) .
¬_________
(¬1) في كتابه «الأموال» (ص 228) .
(¬2) وعلى رأسهم علي -رضي الله عنه-.
أخرج أبو عبيد في كتاب «الأموال» (ص 228-229 رقم 476) -واللفظ له-، وابن زنجويه في «الأموال» (رقم 692) ، والدارقطني في «السنن» (3/131) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» (8/184) : حدثنا سليمان التيمي، عن أبي مجلز: أن عليّاً نهى أصحابه أن يبسطوا على الخوارج حتى يحدثوا حدثاً. قال: فأخذوا عبد الله بن خباب فانطلقوا به، فمروا على تمرة ساقطة من نخلة فأخذها بعضهم، فألقاها في فيه، فقال له بعضهم: تمرة معاهد، فبم استحللتها؟ فألقاها من فيه، ثم مروا بخنزير، فنفحه أحدهم بسيفه، فقال له بعضهم: خنزير معاهد، فبم استحللته؟ فقال لهم عبد الله بن خباب: ألا أدلكم على ما هو أعظم حرمة من هذا؟ قالوا: بلى. قال: فقتلوه. فبلغ ذلك عليّاً، فأرسل إليهم: أن أقيدونا بعبد الله بن خباب. فقالوا: كيف نقيدك بعبد الله، وكلنا قتله؟ فقال علي: أَوَكُلُّكُم قتله؟ قالوا: نعم. قال: الله أكبر. ثم أمر أن يبسطوا عليهم. وإسناده صحيح.
قال أبو عبيد: أفلا ترى أن علياً -عليه السلام- لم يستجز قتال عوامهم بما أحدثت الخاصة، حتى انتحلوه جميعاً، وتواطؤوا عليه؟ فكذلك أمر النكث، وكذلك لو أن بلاداً افتتحت فكان بعضها عنوة؛ وبعضها صلحاً، لا يُعرف هذا من هذا؛ أُمْضِي كله على الصلح، مخافة التقدم على الشبهة.
(¬3) نقله عنه أبو عبيد في «الأموال» (ص 224 رقم 470) .
(¬4) انظر قصة غزوة فتح مكة وسببها بالتفصيل في:
«طبقات ابن سعد» (2/134) ، «سيرة ابن هشام» (4/3) ، «مغازي الواقدي» (2/780) ، «أنساب الأشراف» (1/170) ، «شرح النووي على صحيح مسلم» (12/126) ، «تاريخ الطبري» (3/ 42) ، «عيون الأثر» (2/212) ، «البداية والنهاية» (4/278) ، «نهاية الأرب» (17/287) ، «شرح المواهب اللدنية» للزرقاني (2/288) ، «السيرة الحلبية» (3/81) ، «السيرة الشامية» (5/304) ، «سبل الهدى والرشاد» (5/200) .

الصفحة 589