فهي تخطئة لجميع عقلاء بني آدم من المسلمين والكفار، وأيضًا فإنّه لا يلزم على ما ذكر المجيب تخطئة أبي بكر الصديق، فإن الصديق قد يعتقد عند النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في دفع ذلك المنافق بعض الأمور الّتي يقدر عليها البشر فبيّن له النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه ليس عندي في دفعه حيلة، بل يستغاث الله في أمره، ومن المعلوم أن المطلوب من النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - تارة يقدر عليه، وتارة لا يقدر عليه، وقد يظن السائل أنّه يقدر عليه، ولا يكون قادرًا، وكان نساؤه يسألنه النفقة أحيانًا وليس عنده ما ينفق عليهن (¬1).
وسألته الإعراب حتّى اضطروه إلى سَمُرة (¬2) فخطفت رداءه فقال: "ردوا عليَّ ردائي، فوالذي نفسي بيده لو أن عندي عدد هذه العضاه نعمًا لقسمتها بينكم ثمّ لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا" (¬3).
وحقيقة قوله: لا يستغاث بي، وإن كان مراده الاستغاثة الكلية (¬4)، كما يقال: لا يستغاث بي ولا يتوكل علي، ولا أُدعى ولا أُسأل ونحو ذلك، فمراده النّهي عن الطلب الّذي لا يفعله إِلَّا الله، كما نهى عن
¬__________
(¬1) يشير المؤلِّف إلى حديث جابر بن عبد الله وغيره قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد النَّاس جلوسًا لم يؤذن لأحدٍ منهم، قال: فأذن لأبي بكر، فدخل، ثمّ أقبل عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - جالسًا حوله نساؤه، واجمًا ساكتًا، قال فقال: لأقولن شيئًا أُضحك النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة! سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "هن حولي كما ترى يسألنني النفقة"، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا أبدًا ليس عنده. ثمّ اعتزلهن شهرًا أو تسعًا وعشرين يومًا. ثمّ نزلت هذه الآية: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ... الآية} و، أخرجه مسلم في (كتاب الطّلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إِلَّا بالنية) 2/ 1104 - 1105 رقم 1478.
(¬2) سمرة: هي نوع من شجر الطلح، وجمعها سَمُرُ. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (2/ 399) باب السين مع الميم.
(¬3) الحديث أخرجه البخاريّ في (كتاب الجهاد والسير، باب الشجاعة في الحرب والجبن) 2/ 873 رقم 2821 وطرفه 3148 وغيره بألفاظ قريبة من لفظ المؤلِّف.
(¬4) الاستغاثة الكلية هي: سؤال المستغاث به على اعتقاد أنّه قادر بقدرة مؤثرة على جلب نفع له أو دفع مضرة عنه. انظر: التوضيح عن توحيد الخلاق، تأليف سليمان بن عبد الله ص 303.