ثمّ أهل السُّنَّة والجماعة متفقون على ما اتفقت عليه الصّحابة واستفاضت به السنن من أنّه يشفع لأهل، الكبائر من أمته (¬1)، ويشفع أيضاً لعموم الخلق، وأجمعوا على أن الصحابة كانوا يستغيثون به ويتوسلون به في حياته بحضرته كما في حديث عمر: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك (¬2) بنبينا فتسقينا" (¬3)، والذي
¬__________
= [البقرة: 255] والثّاني: رضا الله عمن أذن للشافع أن يشفع فيه، كما قال تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28]، انظر: معارج القبول بشرح سُلم الوصول إلى علم الأصول في التّوحيد، تأليف الشّيخ حافظ الحكمي، ضبط وتعليق عمر بن محمود 1/ 866 الطبعة الثّانية 1413 هـ، الناشر دار ابن القيم الدمام - السعودية.
والشفاعة المثبتة أنواع:
الأولى: وهي العظمى، الخاصة بنبينا محمّد - صلى الله عليه وسلم - من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وهي الّتي أشار إليها المؤلف بقوله: "يشفع للخلق يوم القيامة بعد أنَّ يسأله النَّاس ذلك" كما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "كنا مع النّبيّ في دعوة فرفعت إليه الذراع -وكانت تعجبه- فنهس منها نهسة، وقال: "أنا سيد النَّاس يوم القيامة، هل تدرون بم؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي وتدنو منهم الشمس، فيقول بعض النَّاس: ألَّا ترون ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم؟ ألَّا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم، فيقول بعض النَّاس: أبوكم آدم، فيأتونه ... حتى يأتون محمدًا ... فيأتوني فاسجد تحت العرش، فيقال: يا محمّد ارفع رأسك واشفع تشفع وسل تعطه"، أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب قول الله -عَزَّ وَجَلَّ- {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} 2/ 1026 - 1027 رقم 3340، وهذه الشفاعة في أن يفصل سبحانه بين النَّاس.
والثّانية: الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنَّة بغير حساب، كما في حديث السبعين ألفًا وسبق تخريجه.
والثالثة: شفاعته - صلى الله عليه وسلم - في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنَّة.
والرّابعة: الشفاعة في أقوام أمر بهم إلى النّار لا يدخلوها، وفي إخراجا الموحدين من النار.
والخامسة: الشفاعة في رفع درجات من يدخل الجنَّة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم، وهذا الذي وافقت عليه المعتزلة ونفت ما سواه.
والسّادسة: شفاعته في تخفيف العذاب عمن يستحقه، كشفاعته في عمه أبي طالب. انظر: شرح الطحاوية ص 229 - 233، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني 2/ 204 وما بعدها، وللتوسع. انظر: كتاب الشفاعة، تأليف عبد الرحمن بن مقبل بن هادي الوادعي ص 17 - 158، الطبعة الثّانية 1403 هـ، الناشر مكتبة دار الأرقم - الكويت.
(¬1) يشير المؤلِّف - رحمه الله - إلي النوع الرّابع من الشفاعة -كما في الفقرة السابقة- وقد تواترت الأدلة الشرعية على ثبوته، منها ما أخرجه البخاري عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "يخرج قوم من النّار بشفاعة محمّد - صلى الله عليه وسلم - يسمين الجهنميين" (كتاب الرقاق، باب صفة الجنَّة والنار) 4/ 2035 رقم 6566.
(¬2) (إليك) سقطت من (د).
(¬3) أخرجه البخاري في (كتاب الاستسقاء، باب سؤال النَّاس الإمام الاستسقاء إذا =