كتاب مستعذب الإخبار بأطيب الأخبار

ويحملون الحجارة، فأمره العباس بفعل ذلك ففعله صلى الله عليه وسلّم فخر إلى الأرض، وطمحت «1» عيناه إلى السماء، وقد نودي: اشدد عليك إزارك يا محمد وإنه لأول ما نودي، فضمه العباس إلى نفسه؛ فلما أفاق قال: إزاري «2» فنشر عليه إزاره.
(وتراضت قريش بحكمه صلى الله عليه وسلّم فيها) لما اختلفوا فيمن يضع الحجر في موضعه، واختصموا في ذلك، حتى أعدوا للقتال، فقال لهم: «أبو أمية بن المغيرة المخزومي» - المعروف بزاد الراكب «3» -: «اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول داخل من هذا المسجد «4» ، ففعلوا؛ فكان عليه السلام أول داخل قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد. فأمر صلى الله عليه وسلّم بثوب فأتى به، فوضع الحجر فيه بيده، ثم أمر سيد كل قبيلة أن يأخذ بناحية من الثوب، ثم قال: ارفعوه جميعا. ففعلوا حتى إذا تطاول به موضعه، وضعه بيده الشريفة، ثم بنى عليه من كان يا بني.
(فلما أتت له صلى الله عليه وسلّم أربعون سنة ويوم «5» بعثه* الله عز وجل إلى الناس كافة بشيرا
__________
(1) حول قوله: «طمحت» قال ابن الأثير في (النهاية) : «امتدت إلى أعلى، ومنه الحديث» «فخر إلى الأرض فطمحت» اه: نهاية.
(2) في (إتحاف الورى) تكرر لفظ: «إزاري» مرتين انظر: التعليق السابق.
(3) حول «زاد الراكب» انظر: ما ذكرناه سابقا حوله.
(4) بعض المراجع ذكرت باب بني شيبة بدل « ... من هذا المسجد» وحول قوله: «اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول داخل ... إلخ» . انظر المصادر والمراجع الاتية: أ- (السيرة النبوية) للإمام ابن هشام- الاختلاف بين قريش في وضع الحجر الأسود- 1/ 227، 228. ب- (الكامل في التاريخ) للإمام ابن الأثير- ذكر هدم قريش الكعبة وبنائها- 1/ 573. ج- (تاريخ الإسلام، ووفيات المشاهير) - السيرة النبوية- حديث بنيان الكعبة، وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلّم بين قريش في وضع الحجر- للإمام الذهبي ص 66، 68. د- كتاب (الإشارة) للحافظ مغلطاي- بيان الكعبة- ص 84، 86.
(5) في بعض نسخ (أوجز السير) - أصل كتابنا- ورد و «يوما» بالنصب بدل: و «يوم» بالرفع، وهو جائز على أنه «مفعول معه» قال ابن مالك:
وينصب تالي الواو مفعول معه ... في نحو سيري والطريق مسرعة
اه: ألفية ابن مالك مع شرحها لابن عقيل 2/ 202. تحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد- رحمه الله- طبع دار التراث.
(*) حول مبعثه صلى الله عليه وسلّم انظر المصادر والمراجع الاتية: أ- (السيرة النبوية) للإمام ابن هشام 1/ 265.

الصفحة 213