كتاب الجموع البهية للعقيدة السلفية
فِي الْقُبْحِ، وَكُلُّ مُتَشَدِّدٍ فِي شَيْءٍ مُبَالِغٍ فِيهِ فَهُوَ فَاحِشٌ فِيهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ فِي مُعَلَّقَتِهِ:
أَرَى الْمَوْتَ يَعْتَامُ الْكِرَامَ وَيَصْطَفِي ... عَقِيلَةَ مَالِ الْفَاحِشِ الْمُتَشَدِّدِ
فَقَوْلُهُ: الْفَاحِشُ أَيِ الْمُبَالِغُ فِي الْبُخْلِ الْمُتَنَاهِي فِيهِ ...
قَوْلِهِ (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) .
وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا اللَّمَمَ، أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّمَمِ صَغَائِرُ الذُّنُوبِ، وَمِنْ أَوْضَحِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ) . فَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ سَبَبٌ لِغُفْرَانِ الصَّغَائِرِ، وَخَيْرُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ الْقُرْآنُ الْقُرْآنُ. وَيَدُلُّ لِهَذَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَان النُّطْق وَالنَّفْسُ تُمَنِّي وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» (¬1) . وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ إِلَّا اللَّمَمَ مُنْقَطِعٌ، لِأَنَّ اللَّمَمَ الَّذِي هُوَ الصَّغَائِرُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَدْخُلُ فِي الْكَبَائِر وَالْفَوَاحِش ... وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ قَالُوا وَعَلَيْهِ، فَمَعْنَى إِلَّا اللَّمَمَ: إِلَّا أَنْ يَلُمَّ بِفَاحِشَةٍ مَرَّةً ثُمَّ يَجْتَنِبُهَا وَلَا يَعُودُ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ:
إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ مَا أَلَمَّا
وَرَوَى هَذَا الْبَيْتَ ابْنُ جرير وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا مَرْفُوعا (¬2) . وَفِي صِحَّته
¬_________
(¬1) - أخرجه البُخَارِيّ (5/2304) (5889) ، وَمُسلم (4/2046) (2657) .
(¬2) - أخرجه التِّرْمِذِيّ (5/396) (3284) وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث زَكَرِيَّا بن إِسْحَق، والطبري فِي تَفْسِيره (11/252) أَخْرجَاهُ من طَرِيق زَكَرِيَّا بن إِسْحَق عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء: عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِهِ، وَصَححهُ الشَّيْخ الألباني - رَحمَه الله -.
الصفحة 26