كتاب الجموع البهية للعقيدة السلفية
أَسْمَعَهُ نَبِيَّهُ مُوسَى، وَلَا يُعْقَلُ أَنَّهُ كَلَامٌ مَخْلُوقٌ، وَلَا كَلَامٌ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي مَخْلُوقٍ كَمَا يَزْعُمُ ذَلِكَ بَعْضُ الْجَهَلَةِ الْمَلَاحِدَةِ، إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ غَيْرُ اللَّهِ: {إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، وَلَا أَنْ يَقُولَ: {إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَاْ فَاعْبُدْنِى} وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ قَالَهُ مَخْلُوقٌ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ، كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ {أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى} عَلَى سَبِيلِ فَرْضِ الْمُحَالِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَذْكُرَهُ اللَّهُ فِي مَعْرِضِ أَنَّهُ حَقٌّ وَصَوَابٌ.
فَقَوْلُهُ: {إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَاْ فَاعْبُدْنِى} ، وَقَوْلُهُ: {إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} صَرِيحٌ فِي أَنَّ اللَّهَ
هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ صَرَاحَةً لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ. كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِدِينِ الْإِسْلَامِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مِن شَاطِىءِ الْوَادِى الأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ: «مِنْ» الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ. أَيْ أَتَاهُ النِّدَاءُ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي مِنْ قِبَلِ الشَّجَرَةِ وَ {مِنَ الشَّجَرَةِ} بدل من قَوْله {مِن شَاطِىءِ الْوَادِى} بَدَلُ اشْتِمَالٍ. لِأَنَّ الشَّجَرَةَ كَانَتْ نَابِتَةً عَلَى الشَّاطِئِ، كَقَوْلِهِ: {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرحمن لِبُيُوتِهِمْ} .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: {نُودِىَ مِن شَاطِىءِ الْوَادِى الأَيْمَنِ} : قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَكَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ، وَأَسْمَعَهُ كَلَامَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ عَلَى مَا شَاءَ (¬1) انْتَهَى مِنْهُ. وَشَاطِئُ
¬_________
(¬1) - قَالَ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية - رَحمَه الله - فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى: (6/315 - 316) : [جُمْهُور الْمُعْتَزلَة والجهمية اخْتَارُوا من هَذِه الْأَقْسَام أَنه يخلقه فِي مَحل وَقَالُوا أَن الله لما كلم مُوسَى خلق صَوتا فِي الشَّجَرَة فَكَانَ ذَلِك الصَّوْت الْمَخْلُوق من الشَّجَرَة هُوَ كَلَامه. هَذَا مِمَّا كفر بِهِ أَئِمَّة السّنة من قَالَ بِهَذَا وَقَالُوا هُوَ يتَضَمَّن أَن الشَّجَرَة هِيَ الَّتِي قَالَت أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي لِأَن الْكَلَام كَلَام من قَامَ بِهِ الْكَلَام هَذَا هُوَ الْمَعْقُول فِي نظر جَمِيع الْخلق لَا سِيمَا وَقد قَامَ الدَّلِيل على أَن الله انطق كل نَاطِق كَمَا انطق الله الْجُلُود يَوْم الْقِيَامَة وَقَالُوا أنطقنا الله الَّذِي أنطق كل شَيْء فَيكون كل كَلَام فِي الْوُجُود مخلوقا لَهُ فِي مَحل فَلَو كَانَ مَا يخلقه فِي غَيره كلَاما للَزِمَ أَن يكون كل كَلَام فِي الْوُجُود حَتَّى الْكفْر والفسوق وَالْكذب كلَاما لَهُ تَعَالَى عَن ذَلِك وَهَذَا لَازم الْجَهْمِية الْمُجبرَة فانهم يَقُولُونَ إِن الله خَالق أَفعَال الْعباد وأقوالهم وَالْعَبْد عِنْدهم لَا يفعل شَيْئا وَلَا قدرَة لَهُ مُؤثرَة فِي الْفِعْل ... ] .
الصفحة 498