كتاب الجموع البهية للعقيدة السلفية

عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ كَافِرٌ، واللَّه غَنِيٌّ عَنْهُ.
وَفِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: (وَمَن كَفَرَ) ، أَوْجُهٌ لِلْعُلَمَاءِ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: (وَمَن كَفَرَ) أَيْ: وَمَنْ جَحَدَ فَرِيضَةَ الْحَجِّ فَقَدْ كَفَرَ واللَّه غَنِيٌّ عَنْهُ. وَبِهِ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ مَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ مِنْ أَنَّهُمَا قَالَا لَمَّا نَزَلَتْ: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) ، قَالَتِ الْيَهُودُ: فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّه فَرَضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَقَالُوا: لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا، وَأَبَوْا أَنْ يَحُجُّوا» ، قَالَ اللَّه تَعَالَى: (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) . (¬1)
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: (وَمَن كَفَرَ) ، أَيْ: وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ الْبَالِغِ فِي الزَّجْرِ عَنْ تَرْكِ الْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ كَقَوْلِهِ لِلْمِقْدَادِ الثَّابِتِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» حِينَ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ يَدَهُ فِي الْحَرْبِ: «لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَالَ» (¬2) .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَدْ كَفَرَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَلم يحجّ
¬_________
(¬1) - أخرجه الْبَيْهَقِيّ (4/324) ، وَغَيره من طرق عَن ابْن أبي نجيح عَنْهُمَا بِهِ، وَقَالَ الشَّيْخ مقبل - رَحمَه الله - فِي مُقَدّمَة كِتَابه " الصَّحِيح الْمسند من أَسبَاب النُّزُول " (ص/14) : [وَأما قَول التَّابِعِيّ نزلت فِي كَذَا فَهُوَ مُرْسل، فَإِن تعدّدت طرقه قبل، وَإِلَّا فَلَا على الرَّاجِح عِنْد الْمُحدثين] ، ومدار الطَّرِيقَيْنِ هُنَا على ابْن أبي نجيح، وَقد ذكره النَّسَائِيّ فِيمَن كَانَ يُدَلس، وَقد عنعنه، وَقَالَ ابْن حبَان أَنه روى عَن مُجَاهِد من غير سَماع، وَعَلِيهِ فَلَا يَصح هَذَا الآثر عَنْهُمَا.
(¬2) - أخرجه البُخَارِيّ (4/1474) (3794) ، وَمُسلم (1/95) (95) .

الصفحة 52