كتاب المناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة

لا يكون حديثه باطلاً ولا ضعيفاً بل هو صحيح أو حسن عند ابن حبان، كما هو دأبه في توثيق المجهول وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، وصرح ابن حجر بهذه القاعدة التي أصلها ابن حبان في مقدمة لسان الميزان وأقرها، وهي فيمن لم يتبين فيه الجرح القادح كالبلخي، وغاية ما ذكره السيوطي انقطاع السند وهو إنما يقدح لجهالة الراوي الساقط، فإن وجد للحديث شاهد فهو حسن لغيره، وإلا فإنما يحكم عليه بالضعف لا بالبطلان، وأيضا معنى الحديث لا يقضي ببطلانه فإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {فاستقم كما أمرت} وإن مما أُمر به ما في قوله {وتبتل إليه تبتيلا} أي وجرد نفسك عما سواه كما قاله البيضاوي، وما دام الإثنان أحب إلى الشخص من واحد لم يكن جرد نفسه عما سواه، فلم يتبتل إليه فلم يستقم كما أمر.
وقد روى البيهقي في الإحدى والسبعين من الشعب في مرسل الحسن بإسناد حسن حب الدنيا رأس كل خطيئة. وحينئذ كيف يبلغ الاستقامة من في قلبه رأس ما يميل به عن الاستقامة، ففي حديث أبي ذر عند الترمذي وابن ماجه الزهادة في الدنيا ليس بتحريم الحلال ولا بإضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون مما في يديك أوثق منك بما في يد الله الحديث. ومن لوازم كون الاثنين أحب إليه من الواحد أن يكون بما في يديه أوثق منه بما في يد الله فلم يتحقق الزهادة التي هي شرط بلوغ كمال الاستقامة وإن كان ممن أكثر الصلاة والصيام إلى الغاية والحد المذكور، كذا ذكره ابن الطيب عن الكوراني وهو كلام طيب، لا يخفى تعنت الذهبي في الصوفية فإنه عند أهل النقد غير معتبر أصلا - والله أعلم.

الصفحة 314