كتاب رحلة الحج إلى بيت الله الحرام - ط عالم الفوائد

لفظ المعدوم لهذه المشابهة، ولاشك أن معنى الطرفين - أعني
الموجود والمعدوم - لا يجتمعان في شيء واحد بأن يكون موجودا
معدوما في ان واحد؛ لان العدم والوجود على طرفي النقيض.
ومن أمثلة العنادية عكس هذا المثال المذكور، وهو - أي عكس
هذا المثال - أن يستعار اسم الموجود للمعدوم لوجود فائدته، وانتشار
مآثره، فإن صاحب الماثر الباقية والانفاع المستديمة ولو كان مفقودا
هو والموجود سواء في وجود الاثار عنهما؛ إذ تحيي في الناس ذكره،
وتديم فيهم اسمه، فتكون حياة ذكره كحياته، فاذا نقل لفظ الموجود
واطلق على المعدوم المفقود لوجود ماثره حتى كانه حاضر تحصل عنه
لكونه سببا فيه - كانت استعارة لفظ الموجود لذلك المعدوم عنادية،
لعدم إمكان اجتماع الوجود والعدم في شيء واحد في ان واحد، كما
تقدم في المثال الاول.
و! منها - أي العنادية - الاستعارة التهكمية، والاستعارة التمليحية.
فا التهكمية هي ما كان الغرض منها التهكم والهزء، والتمليحية هي
ما كان الغرض منها إيراد القبيح بصورة شيء مليح لاجل الطرافة
والملاحة، ولا تختلف التهكمية والتمليحية إلا بهذا القصد الذي هو
التهكم والهزء في التهكمية، والإتيان بالشيء الظريف المليح الذي
يستظرفه الحاضرون، وأما في الصورة الاستعمالية فالتهكمية
والتمليحية شيء واحد لا فرق بينهما، ويجمعهما حد واحد، فيحدان
بأنهما الاستعارة المستعملة في ضد معناها الحقيقي أو نقيضه، بسبب
تنزيل التضاد أو التناقض منزلة التناسب بواسطة تهكم أو تمليح.
244

الصفحة 244